مرافعة الحنين ونزيف الذاكرة
الناقد نور الدين طاهري
يطل ديوان نزيف الاستفهام للشاعرة بشرى طالبي كأنه المرافعة الوجودية الكبرى؛ التي لا تبحث عن براءة المتهم بقدر ما تبحث عن الجدوى من هذا الوجود المثقل بأعباء الفقد ومرارة الانتظار. ففي هذا الفضاء الإبداعي، لا تكتب الشاعرة الحروف لكي تزجج بها الفراغ أو لكي تملأ بياض الورق، بل تسكبها كحبات الرمل التائهة في فيافي الصحراء؛ محولة اللغة من مجرد وعاء للتعبير إلى ساحة حية للمحاكمة الوجدانية، إذ تغدو الورقة هي قاعة المحكمة الفسيحة، والقارئ هو الشاهد الذي يستنطق الصمت، والكلمة هي الخنجر الذي يلمع في الظل لكي يبتر اليقين الزائف.
إن اختيار نزيف الاستفهام عنوانا رئيسا ليس من قبيل الترف اللغوي أو التنميق البديعي، بل هو التكثيف المركز للحالة الشعورية التي تهيمن على مفاصل الديوان كافة؛ فبشرى طالبي لا تطرح السؤال لكي تنال الجواب أو لكي تعرف المجهول، بل تسأل لكي تنزف. فكل علامة استفهام في نصوصها هي الجرح المفتوح في جسد القصيدة المنهك، ويتجلى هذا بوضوح في نصها الذي يحمل الاسم ذاته، وفيه يتحول القلب إلى نبض حي ينزف الأسئلة في ساحة الانتظار المعلقة بين كفتي الخوف والرجاء. والاستفهام هنا هو الأداة الفاعلة لتعرية الوقت من معناه الرتيب؛ لكي يصير الأمس هو الفخ الذي يقتنص الذكريات، ويصير الغد هو الوعد المنسي الذي لا يجيء.
ويهيمن الغياب بمختلف التجليات والصور على قصائد الديوان؛ فهو ليس الغياب الجسدي العابر فحسب، بل هو القيد الأبدي والحكم النافذ بالإقامة الجبرية في أروقة الذاكرة العاجية التي لا تفتح أبوابها للنسيان. وفي وشوشة الغياب، نجد الشاعرة تنادي من وراء الحجاب، فلا يرتد إليها سوى الصدى الجارح للغياب؛ وهذا الغياب يتحول في ملحمة الغياب إلى المملكة السرية التي تحكم القلب بيد خفية لا تعرف الرحمة، بما تكتنزه من تفاصيل هامشية وحميمية؛ مثل كوب الشاي البارد، أو الكرسي الخالي، أو الباب الذي بقي نصف مفتوح، تتحول كلها إلى أرواح تائهة تنهض من السبات لكي تؤكد فداحة الفقد. والانتظار عند بشرى طالبي يتخذ الطابع الأسطوري الممعن في التوحد؛ فهي في بحر الأحزان تجلس على شاطئ الأمنيات ترقب سفن العائدين كالتمثال الذي فر من قبضة مدن الآثار المهجورة، وهذا الانتظار هو الانطفاء الهادئ، والمنطقة الرمادية التي تتأرجح فيها الروح بين ما أحبت في يوم مضى، وما لم تعد تعرف إن كانت تريده حقا في ظل هذا الخواء.
ويظهر الآخر، سواء كان المحبوب الغائب أو الخصم العنيد، في الديوان بصور متعددة ومتقلبة؛ فتارة هو الجبار الذي يعصف بالأيام ويسرق الضوء من العيون، وتارة هو التمثال الفرعوني الذي اعتنق الصمت المقدس منذ ألف عام، وتارة أخرى هو الرجل الشرقي الذي أشقاه الكبرياء فراح يكتب بالكحل الأسود أشعار الغزل على جدران الذاكرة. وبشرى طالبي في مواجهة هذا الآخر لا تركن إلى الاستسلام، بل تعلن وثيقة الاستقلال الوجداني التام؛ ففي نص لا تكن صديقي ترفض الشاعرة المناطق الوسطى والحلول الرمادية، فإما الشك واليقين المطلقان، وإما الثلج والحريق في آن واحد، لكنها ترفض الصداقة الباردة التي تراها القيد الذي يغتال جنون العشق الفطري. وهذه النزعة الاستقلالية تبلغ الذروة في نص حب وكبرياء، حيث تعلن بوضوح أنها ليست كبقية النساء؛ فهي القاعدة الاستثنائية، وهي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.
ويتنقل الديوان ببراعة بين أزمنة وأمكنة مشبعة بالدلالات والرموز؛ فأكتوبر هو الذي يمر وينقضي دون أن يحمل معه المنتظر، فيتحول من مجرد شهر في التقويم إلى التجلي الصارخ للفقد ورماد السؤال المحرق، وديسمبر هو الذي يربك حسابات القلب برسائل الحب التي تأبى أن تشيخ أو تذبل، فهو بارد من الخارج ودافئ من الداخل بوهج الحنين. والوطن يبرز في وداعا يا وطن بوصفه المكان المثالي للوجع والقسوة، حيث ظلم ذوي القربى هو الأشد وقعا والأمر مذاقا، مما يدفع الشاعرة للمقامرة بالحياة وركوب الموج العاتي بحثا عن الخلاص والحرية خلف البحار البعيدة.
تتسم لغة بشرى طالبي بالجزالة الفائقة والرصانة البيانية، وهي اللغة التي تمزج بذكاء بين النفس التراثي العريق والحداثة الشعورية المتدفقة. وتستخدم الشاعرة تقنية المناجاة الوجدانية لكي تحدث التواصل المباشر والعميق مع القارئ الذي تعتبره الشريك الفعلي في الجريمة الأدبية، كما نلمس النزوع الواضح نحو المسرحة في نصوصها، فتستحيل الصفحة البيضاء إلى قاعة المحكمة التي يترقب فيها القاضي والشهود اعترافات الكاتبة التي تقتل شبح الذاكرة بالمداد. إن استخدام الرموز الموحية مثل قارئة الفنجان والسندباد يعكس الرغبة العارمة في استحضار الموروث لكي تعيد الشاعرة صياغة الواقع الأليم برؤية جديدة؛ فهي ترفض ما يقرأ في قاع الفنجان المظلم لأن الغد لا يولد في القاع الضيق، بل يولد في رحابة إرادة الإنسان الحر.
وفي نهاية نزيف الاستفهام، نكتشف أن بشرى طالبي تكتب لا لكي تنال الشفاء من أوجاعها، بل لكي يهدأ النزيف المستمر للاستفهام الذي يقلق سكينتها؛ فالكتابة عندها هي مشروع الجريمة الكاملة، وكل قراءة واعية هي صك العقوبة أو الحكم بالبقاء الأبدي في وجدان المتلقي. إن هذا الديوان ليس مجرد مجموعة من القصائد المبعثرة، بل هو الخريطة المتقنة لمدن وهمية، والحروف المنحوتة من ماء لا تقرأ إلا بمرآة العشق؛ وبشرى طالبي من خلال هذا المنجز الإبداعي تعيد للكلمة السطوة والهيبة، وتثبت أن الجرائم الأدبية لا تعرف الموت، بل تظل تنبض بالحياة المتجددة في خيال كل قارئ يجرؤ على دخول هذا العالم السحري المثقل بالرماد والضوء والوجع.

