مصر وآفاق العالمية
بقلم د. تامر عبد القادر عمار
لم تكن مصر في يوم من الأيام دولة عابرة في مسار التاريخ، بل كانت دائمًا حجر الزاوية في معادلات السياسة الدولية، وصاحبة الريادة في محيطها العربي والإفريقي، والبوابة التي عبرت منها الحضارات لتلتقي على ضفاف النيل. وحين نتأمل حاضرها اليوم في ظل قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي،
ندرك بوضوح أن مصر تخطو بخطوات محسوبة نحو العالمية، لا انطلاقًا من فراغ، بل تأسيسًا على إرث حضاري عميق، ورؤية استراتيجية تدرك أبعاد التوازن الدولي، وتسعى إلى تحقيق مصلحة الوطن والشعب في إطار من الحكمة والواقعية السياسية. لقد أدركت القيادة السياسية أن العالم يعيش مرحلة فارقة، حيث تعاد صياغة خرائط النفوذ، وتتصارع القوى الكبرى على مناطق الثروة والموارد،
وتتقاطع الأزمات من المناخ إلى الطاقة مرورًا بالأمن الغذائي. وفي قلب هذه التحديات، اختارت مصر أن تتموضع بذكاء لا بالاندفاع، وأن تضع لنفسها موقعًا يليق بتاريخها وحجمها، قائمًا على مبدأ التوازن وعدم الارتهان لطرف بعينه، والانفتاح على جميع الشركاء بما يحقق مصالحها العليا ويحافظ على استقلال قرارها الوطني.
لقد كانت أولى الخطوات هي استعادة الدور الإقليمي الذي افتقدته المنطقة لسنوات، فعادت القاهرة لتكون صوت العقل في الأزمات العربية، وملاذًا للتفاوض والحوار حين تعجز الأطراف الأخرى عن التلاقي. ففي الملف الفلسطيني كانت مصر وما زالت الطرف الأكثر تأثيرًا، حيث أدارت القاهرة المفاوضات المعقدة بين الفصائل الفلسطينية، وقادت جهود التهدئة مع إسرائيل،
مصر وآفاق العالمية
مؤكدة أن القضية الفلسطينية ستبقى في صدارة أولوياتها باعتبارها قضية العرب المركزية. وفي ليبيا وضعت مصر خطوطها الحمراء دفاعًا عن أمنها القومي وأمن المنطقة، رافضة أن تتحول الحدود الغربية إلى ساحة للفوضى أو الإرهاب. وفي السودان امتد الدور المصري ليكون داعمًا لوحدة الدولة السودانية واستقرارها، إدراكًا أن انهيار السودان يعني تهديدًا مباشرًا للأمن المائي والحدود الجنوبية.
وهكذا أثبتت التجربة أن مصر حين تتحدث لا تنطلق من شعارات عاطفية، بل من حسابات دقيقة تعي أن استقرار الجوار هو الضمانة الأولى لأمنها الداخلي.
وعلى الصعيد الدولي، تبنّت مصر دبلوماسية التوازن القائم على الانفتاح على جميع القوى الكبرى دون الانحياز الأعمى إلى طرف ضد آخر. فهي تتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها شريكًا استراتيجيًا، وفي الوقت نفسه تطور علاقاتها مع روسيا والصين، وتعمّق شراكتها مع الاتحاد الأوروبي،
وتحرص على حضور مؤثر داخل الاتحاد الإفريقي ومنظمة الأمم المتحدة. لقد أثبتت القاهرة أن استقلال القرار السياسي لا يعني الانعزال، بل يعني القدرة على صياغة شبكة علاقات متوازنة، تجعل منها جسرًا للحوار ووسيطًا مقبولًا لدى جميع الأطراف.
ولعل استضافة مصر لقمة المناخ في شرم الشيخ خير دليل على هذا الحضور الدولي الفاعل، حيث أظهرت قدرتها على جمع الفرقاء من الشرق والغرب، والتحدث بصوت القارة الإفريقية التي عانت طويلًا من التهميش في القضايا العالمية.
ولم يكن البعد الاقتصادي بعيدًا عن هذه الاستراتيجية، فمصر أدركت أن العالمية لا تتحقق بالخطابات وحدها، وإنما تُبنى على أسس اقتصادية صلبة. ومن هنا جاءت المشروعات القومية العملاقة التي غيرت وجه الدولة، بدءًا من العاصمة الإدارية الجديدة، مرورًا بتطوير الموانئ والمطارات وشبكات الطرق،
وصولًا إلى التوسع في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة، واكتشافات الغاز التي جعلت من مصر مركزًا إقليميًا للطاقة. هذه الإنجازات لم تكن موجهة للداخل فقط، بل كانت رسائل للخارج بأن مصر تتحول إلى محور اقتصادي عالمي، قادر على جذب الاستثمارات وتوفير البنية التحتية اللازمة للتجارة الدولية.
إن ما يميز النهج المصري أن القوة الصلبة المتمثلة في الجيش والاقتصاد تسير جنبًا إلى جنب مع القوة الناعمة المتمثلة في الثقافة والفن والتعليم. فمصر ما زالت تحتفظ بقدرتها على مخاطبة وجدان الشعوب العربية والإفريقية، عبر فنها ودرامتها وإعلامها،
وهي قوة ناعمة لا تقل تأثيرًا عن السلاح والسياسة. وحين تجتمع هذه العناصر في دولة واحدة، فإنها تصنع صورة جديدة لمصر الحديثة: دولة واثقة من نفسها، منفتحة على العالم، قادرة على التفاعل مع المتغيرات دون أن تفقد هويتها أو تتنازل عن ثوابتها.
والحق أن مصر لم تتبنَّ هذه السياسة لمجرد الحضور الشكلي، بل انطلقت من رؤية أشمل تربط بين الداخل والخارج، بين التنمية المحلية والدور الإقليمي. فالإصلاح الاقتصادي، وبرامج الحماية الاجتماعية، ومبادرة “حياة كريمة” التي تستهدف تغيير وجه الريف المصري،
كلها عناصر تساند الموقف المصري في الخارج، لأنها تقدم للعالم نموذجًا لدولة تنجز على الأرض، وتواجه تحدياتها بشجاعة، وتؤمن أن استقرار الداخل هو مفتاح احترام الخارج.
إن استراتيجية الرئيس السيسي في السياسة الخارجية تقوم على إدراك عميق بأن العالم يعيش مرحلة انتقالية، وأن من يملك الرؤية والقدرة على التحرك المرن سيكون الأقدر على اقتناص مكانته في النظام الدولي الجديد. ومن هنا جاء حرص مصر على المشاركة الفاعلة في القمم الدولية،
وإطلاق المبادرات الإقليمية، وتعزيز التعاون جنوب – جنوب، والتمسك بدور محوري في إفريقيا، باعتبارها العمق الاستراتيجي لمصر وامتدادها الطبيعي.
نستطيع أن نقول عزيزي القارئ إن مصر اليوم لا تسعى إلى العالمية من باب الاستعراض أو الهيمنة،
وإنما من باب الشراكة والمسؤولية. إنها تقدم للعالم صورة الدولة العاقلة الرشيدة، التي تعرف كيف توازن بين مصالحها الوطنية والتزاماتها الإقليمية والدولية، وتدرك أن القوة الحقيقية ليست في فرض الإرادة،
بل في بناء الثقة، وترسيخ الاستقرار، وصياغة مستقبل مشترك.
وهكذا، تثبت مصر يومًا بعد يوم أنها لا تزال حجر الزاوية في المنطقة، وصوت الحكمة في زمن الاضطراب، وركيزة الاستقرار في عالم يبحث عن التوازن.
إنها مصر التي لا تغيب عن الساحة الدولية، ولا تتنازل عن دورها التاريخي، بل تمضي بخطى ثابتة نحو آفاق العالمية،
مدعومة برؤية قائد، وإرادة شعب، وإرث حضاري يجعلها دائمًا في قلب العالم، وصانعة لمستقبله.
د. تامر عبد القادر عمار
كاتب صحفي
خبير التسويق والتخطيط الاستراتيجي
مهتم بقضايات التنمية والعلاقات الانسانية