الرئيسيةمقالاتمن القصور إلى القبور… فلسطين التي لم تنحنِ
مقالات

من القصور إلى القبور… فلسطين التي لم تنحنِ

من القصور إلى القبور... فلسطين التي لم تنحنِ

بقلم محمد عطا القطيعي

 

الحمد لله الذي قهر بالموت رقاب الجبابرة، وكسر به ظهور الأكاسرة، وقصَّر به آمال القياصرة؛ فما من متجبرٍ إلا وله يوم، ولا من ظالمٍ إلا وللزمان عليه جولة، ولا من طاغيةٍ ظن أن الأرض ملك يده إلا جاءه الموت، فأخرجه من سعة القصر إلى ضيق القبر، ومن ضياء المساكن إلى ظلمة اللحود.

وما التاريخ إلا سجلٌّ طويل يعلّمنا أن القوة لا تمنح صاحبها حقًّا أبديًا، وأن الدم لا يصنع شرعية، وأن الاحتلال مهما طال زمنه لا يستطيع أن يمحو ذاكرة شعب.

وهنا تبدأ حكاية فلسطين…

حكاية أرضٍ حملت فوق ترابها آثار الأنبياء والحضارات، وشهدت تعاقب الأمم، ثم وجدت نفسها في قلب مشروع سياسي دولي بالغ التعقيد، كانت من أبرز محطاته وعد بلفور سنة 1917، حين أعلنت الحكومة البريطانية تأييدها لإقامة “وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين، مع نصّ الإعلان في الوقت ذاته على ألا يُنتقص من الحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة فيها.

لكن السؤال الذي ظل يؤرق التاريخ كان:

ماذا عن أهل الأرض أنفسهم؟

كان الفلسطيني، في قريته وحقله وبيته، لا يعيش على وعدٍ سياسي بعيد، بل يعيش حياةً كاملة؛ يزرع أرضه، ويصلي في مسجده، ويحمل مفاتيح بيته، ويعرف شجرة الزيتون التي زرعها أبوه وجدّه.

ثم جاءت السنوات، وتداخلت المصالح الدولية، وتصاعد المشروع الصهيوني، واشتدت الصدامات، حتى وصل المشهد إلى عام 1948، ذلك العام الذي يسميه الفلسطينيون النكبة؛ إذ تشير مصادر الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 700 ألف فلسطيني أُجبروا على مغادرة بيوتهم في ذلك العام، فتحولوا إلى لاجئين في البلدان والمناطق المجاورة.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد مفتاح البيت مجرد قطعة حديد…

صار ذاكرة وطن.

يحمله الأب، ثم الابن، ثم الحفيد، وكأن المفتاح يقول لكل من يحاول أن يطمس الحكاية:

هنا كان بيتنا… وهنا كانت أرضنا… وهنا تبدأ ذاكرتنا.

ثم جاءت عقود طويلة من الصراع والاحتلال والتهجير والاستيطان والحروب، وبقي الفلسطيني يدفع من عمره وبيته وأرضه وأمنه ثمنًا لصراع لم يختر بدايته.

وفي عام 1967 اتسعت دائرة الاحتلال لتشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، وظلت القضية الفلسطينية منذ ذلك الحين واحدة من أكثر القضايا إيلامًا واستعصاءً في النظام الدولي.

وفي عام 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا اعتبرت فيه أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وربطت ذلك بسياسات الضم والاستيطان وعرقلة حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وطالبت بإنهاء هذا الوضع غير القانوني في أسرع وقت ممكن.

وهنا لا يعود السؤال مجرد سؤال سياسي…

بل يصبح سؤالًا أخلاقيًا وإنسانيًا:

إلى متى يستطيع الإنسان أن يعيش بلا وطن كامل السيادة؟

وإلى متى يستطيع الطفل أن يكبر وهو يعرف أن بيته قد يهدم في أي لحظة؟

وإلى متى تظل الأم الفلسطينية تخشى على أبنائها من الحرب والاعتقال والنزوح؟

ثم جاءت غزة…

غزة التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر البقاع مأساوية في العالم.

مدينة صغيرة محاصرة بالألم، لكنها لم تكن بلا روح.

بيوت تهدمت، وأسر تفرقت، وأطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم، ومستشفيات تعرضت للضغط والهجوم، وأطباء ومسعفون دفع بعضهم حياته ثمنًا لمحاولة إنقاذ الآخرين.

وفي تقارير أممية، وردت معلومات خطيرة بشأن احتجاز عاملين في القطاع الصحي الفلسطيني، واختفاء بعضهم، ووفاة محتجزين، إلى جانب ادعاءات متعددة بشأن التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي والتجويع. كما وثقت آليات الأمم المتحدة مخاوف جدية بشأن أوضاع المعتقلين الفلسطينيين.

وفي واقعة أخرى، قالت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن تحقيقاتها بشأن مقتل عدد من العاملين الطبيين وأفراد الدفاع المدني في رفح عام 2025 أظهرت، وفق الأدلة التي راجعتها، مؤشرات على قتل متعمد قد يشكل جرائم بموجب القانون الدولي.

هذه ليست أرقامًا باردة.

خلف كل رقم أمٌّ تنتظر.

وخلف كل اسم طفلٌ لن يعود إلى المدرسة.

وخلف كل بيتٍ مهدوم حكاية عائلة.

وخلف كل قبرٍ سؤالٌ سيبقى مفتوحًا أمام ضمير العالم:

لماذا؟

لماذا يدفع المدنيون ثمن الصراع؟

لماذا يصبح الطفل هدفًا للخوف؟

لماذا يصبح المستشفى مكانًا للقلق بدل أن يكون ملجأً للمرضى؟

ولماذا يُطلب من شعبٍ كامل أن يثبت كل يوم أنه يستحق الحياة؟

إن الدفاع عن الفلسطينيين لا يعني تبرير قتل المدنيين من أي طرف، ولا يعني إنكار حق أي إنسان في الأمن والحياة. فالعدل الحقيقي لا يتجزأ، ودم المدني الإسرائيلي ليس أقل قيمة من دم المدني الفلسطيني، كما أن دم الفلسطيني ليس رخيصًا لأن العالم اعتاد سماع أخباره.

لكن العدالة تعني أيضًا ألا تتحول مأساة طرف إلى مبرر لعقاب جماعي لشعب بأكمله.

إن الفلسطينيين ليسوا مجرد مشهدٍ عابر في نشرات الأخبار.

إنهم شعب له أسماء وبيوت وذكريات وحق في الحياة والكرامة وتقرير المصير.

وغزة ليست مجرد خريطة صغيرة على ساحل البحر المتوسط.

غزة أمٌّ تبحث عن طفلها.

وغزة طفلٌ يبحث عن مدرسة.

وغزة شيخٌ يتمسك بمفتاح بيته.

وغزة امرأةٌ تحاول أن تخبز رغيفًا وسط الركام.

وغزة طبيبٌ يواصل العمل وهو يعلم أن الخطر يحيط به من كل جانب.

وغزة شعبٌ يقول للعالم:

نحن هنا… ولسنا رقمًا.

أما أولئك الذين يتعاملون مع القوة وكأنها صك ملكية للتاريخ، فعليهم أن يتذكروا درس القرون:

لقد سكن القصور قبلهم ملوكٌ ظنوا أن الشمس لا تغيب عن ملكهم، ثم رحلوا.

وحكم الأرض جبابرةٌ ظنوا أن السيف يمنحهم الخلود، ثم صاروا ذكرى.

وشيّد الطغاة جدرانًا عالية حول سلطانهم، ثم لم تحمهم الجدران من الموت.

فمن أراد أن يقرأ نهاية الظلم، فليقرأ التاريخ.

ومن أراد أن يعرف مصير الجبروت، فليقرأ القبور.

ومن أراد أن يعرف قوة الشعوب، فلينظر إلى فلسطين.

فالشعب الذي يُقتلع من بيته قد يسكن الخيمة، لكنه لا يقتلع من ذاكرته.

والشعب الذي يهدم الاحتلال مدرسته قد يتعلم تحت شجرة.

والشعب الذي يُهدم بيته قد يبني من الركام معنى جديدًا للوطن.

وهكذا ظلت فلسطين، رغم الجراح، واقفة.

لم تكن القضية الفلسطينية قضية صراعٍ على حجرٍ فقط، بل قضية إنسان يريد أن يعيش حرًّا كريمًا على أرضه.

ولهذا فإن الدعاء العادل ليس دعاءً على شعب أو دين، وإنما دعاء على الظلم والعدوان والطغيان:

اللهم خذ الظالمين أخذ عزيز مقتدر.

اللهم أوقف سفك الدماء.

اللهم احفظ الأبرياء.

اللهم اشفِ جرحى فلسطين.

اللهم اربط على قلوب الثكالى والمكلومين.

اللهم اجعل للحق طريقًا، وللعدل كلمة، وللضعفاء نصيرًا.

اللهم لا تجعل الدم الفلسطيني خبرًا عابرًا في نشرات المساء، ولا تجعل دم أي بريء في هذه الأرض رخيصًا في ميزان السياسة.

اللهم أبدل الخوف أمنًا، والدمار إعمارًا، والتهجير عودة، والظلم عدلًا، والحرب سلامًا.

فإن للظلم نهاية، وللعدوان نهاية، وللاحتلال نهاية، وإن طال الطريق.

وسيظل التاريخ يكتب:

أن القصور تزول…

وأن الجيوش ترحل…

وأن الحدود تتغير…

وأن الطغاة يموتون…

لكن حق الشعوب في الكرامة والحرية لا يموت.

وستبقى فلسطين، ما بقي في العالم قلبٌ يعرف معنى العدل، حكاية شعبٍ لم يطلب المستحيل؛

طلب فقط أن يعيش…

أن يأمن…

أن يعود إلى بيته…

وأن يفتح نافذته ذات صباح، فلا يرى الدخان، بل يرى الشمس.

وحينها فقط، ربما يفهم العالم أن السلام الحقيقي لا يُبنى فوق الركام، ولا يُكتب بالدم، ولا يُفرض بالدبابات؛من القصور إلى القبور... فلسطين التي لم تنحنِ

بل يبدأ يوم يشعر فيه الفلسطيني والإسرائيلي، على السواء، أن الإنسان أغلى من الأرض، وأن الحياة أقدس من السياسة، وأن العدالة هي الطريق الوحيد الذي يستطيع التاريخ أن يسير فيه دون أن يخجل من نفسه.

—————القطيعى الشريف————–

من القصور إلى القبور… فلسطين التي لم تنحنِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *