من أشد الأعياد قسوة تلك التي لا ندخلها من باب الفرح، بل من باب المقبرة. كأن العيد فيها ثوب أبيض فصل على مقاس الحزن، وكأن التكبيرات نفسها تمر فوق القلب مثل يد تربت على جرح لا يلتئم.
في صباح عيد الاضحى ذهبت الى المقبرة. كانت تعج بالزائرين، كأنها مدينة اخرى فتحت أبوابها للاحياء ساعات قليلة ثم تعود فتبتلع صمتها. كل واحد هناك كان يحمل قلبه كما تحمل الاواني الممتلئة حتى الحافة، بخوف من ان يفيض وجعها عند اول نظرة، ويمضي به نحو عزيز يرقد تحت التراب، كأنه يمضي الى نصفه المدفون.
جلست قرب قبر أبي، وتركت عيني تتوهان بين القبور، فبدت لي كأنها سطور طويلة في كتاب الفقد، او نوافذ مطفأة في حي هجره سكانه الى الابد. وعلى كل قبر تقريبا كانت تتكئ باقة ورد، او تتمدد اغصان ريحان خضراء، كأننا نجرب ان نهزم الموت بالرائحة، او نداوي وحشته بشيء من عبير الارض. كأننا بعجزنا البشري الصغير نضع الجمال على افواه القبور لعلها تكف عن ابتلاع احبتنا في الذاكرة.
تأملت طويلا وسألت نفسي: ماذا تنفع الورود الميت؟ هل تتسلل رائحتها الى وحدته كما يتسلل الضوء من شق نافذة الى غرفة مهجورة؟ ام انها لا تصل اليه اصلا، وانها ليست الا ستارة نعلقها على وجه وجعنا لنخفي ارتباكنا امام الحقيقة العارية؟
وكم مرة، في حياة من رحلوا، قدمنا لهم وردة وهم احياء؟ كم مرة سقينا ارواحهم كلمة طيبة، او مسحنا تعبهم بحنان صغير، قبل ان نصير الى قبورهم كالمتأخرين عن موعد لن يعاد؟
لماذا لا ندرك قيمة الاحبة الا حين يغادرون؟ الا حين يصبح العناق باباً اغلق بالتراب، ويغدو الصوت طيفا مكسورا في الذاكرة، وتصبح الملامح صورة معلقة على جدار القلب تهتز كلما مر الشوق كريح ثقيلة؟
ثم وقفت عند قبر اخي. وكان الشهداء يحيطون به من كل جانب، كأنهم نجوم انطفأت في السماء لتضيء تحت التراب، او كأنهم حراس الغياب الابدي، مصطفون حوله بوقار الذين عبروا باكرا الى الجهة التي لا عودة منها.
وفي كل مرة اتأمل وجوههم، اشعر بثقل الاعتذار يهبط على صدري كصخرة مبللة، واشعر ان قلبي يقف بينهم كطفل ضل طريقه في جنازة طويل..
رحيله لم يكن حزنا واحدا، بل زلزالا لا يقاس كما قبله. ومنذ رحيله صار قلبي كبيت تصدعت جدرانه، كلما دخلته فاجعة جديدة وجدته اقل قدرة على الاحتمال، واكثر امتلاء بالغبار والحنين.
ثم عدت احدق في صورته، واحدثه بذلك الصمت الذي يعرفه الموتى، كما تعرفه الامهات في اخر الليل، وكما تعرفه الارواح التي انهكها الانتظار.
اتعلم؟ كنت النجم الساطع في كل اعيادنا، واليد التي تمشط فوضى الفرح، والروح التي تنفخ الحياة في التفاصيل الصغيرة فتزهر.
لم تكن تترك شيئا الا ومنحته لمستك. تزين افراحنا بالبالونات كأنك تعلق قلوبا ملونة في سقف البيت. كأنك من حيث لا ندري كنت تخيط لنا من الايام ثوبا من الصور، وتجمع لنا فتات الضوء قبل ان يبتلعك الغياب.

تركت لنا الالبومات كما يترك البحر اصدافه على الشاطئ، جميلة وموجعة، وتركت لنا الحسرة معلقة بين كل صورتين، مثل خيط غير مرئي من الدمع.
كل صورة لك الان تشبه نافذة نطل منها عليك ولا نصل، او بابا نطرقه فيرد علينا الصدى.
اشتقنا اليك كثيرا. اشتقنا اليك كما تشتاق البيوت الى اصوات سكانها بعد الخراب، وكما تشتاق المقاعد الى اصحابها بعد انفضاض الجلسات، وكما يشتاق العيد الى معناه حين يغيب من كان يملؤه روحا.
العيد من دونك يشبه بيتا انطفأت انواره وبقي قائما على عادته، لكن الدفء هجر جدرانه. ويشبه ضحكة مبتورة، او مائدة ينقصها المقعد الاهم، او سماء فقدت نجمها الاكثر قربا من العين.
هكذا اصبحت اعيادنا. نأتي اليها كما يأتي المتعب الى مرآة لا تجامل، فنرى فيها نقصاننا كله.
نزورها كما نزور القبور، بقلوب مثقلة كالابواب الصدئة، وباعين تبحث في الوجوه والطرقات والذكريات عمن نعرف، في قرارة اليقين، انه لن يعود.
فنخرج منها كما نخرج من المقبرة، نحمل معنا الصمت، ورائحة التراب، واحساسا بان الفرح نفسه صار يتيما.
مواويل صامتة..
بألحان ستارة أسدلها التراب..!
نرجس البزال
مراجعة وصياغة محمد سعيد الحداد
مراجعة لغوية وتحريرية عهود حسن البيومي
مراجعة وتدقيق المغيره بكري
جريدة موطني الإخبارية المحلية والدولية

