هنا نابل
بقلم المعز غَنِـي
كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت… لماذا قال الله «ذائقة» ولم يقل «ستموت»؟!
ومن بين تلك الكلمات القرآنية العميقة قوله تعالى:
«﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
[آل عمران: 185]»
تأملوا جيدًا…
لم يقل سبحانه: كل نفس ستموت، وإن كان الموت هو المصير المحتوم لكل حي، وإنما قال:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.
فلماذا أختيرت كلمة «ذائقة»؟
هل الموت يُؤكل أو يُشرب حتى نذوقه؟
أم أن في التعبير القرآني معنى أعمق من مجرد الإخبار بأن الإنسان سيموت؟
هنا يبدأ التأمل…
الموت ليس خبرًا نسمعه… بل حقيقة سيعيشها كل إنسان
حين يقول الله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
فإنه لا يستثني أحدًا.
لا غنيًا ولا فقيرًا،
ولا قويًا ولا ضعيفًا،
ولا حاكمًا ولا محكومًا،
ولا مشهورًا ولا مجهولًا،
ولا شابًا ولا شيخًا.
كل نفس…
كل نفس دون إستثناء.
وهذه الآية وحدها كافية لتوقظ الإنسان من وهم الخلود الذي يعيش فيه.
نحن نعرف أننا سنموت، لكننا نتصرف أحيانًا وكأن الموت بعيد، وكأن له موعدًا مع الجميع إلا نحن!
وكأن لدينا ضمانًا بأن الغد لنا.
لكن القرآن يأتي ليضع الحقيقة أمام أعيننا بلا رتوش:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.
لماذا «ذائقة»؟
التعبير القرآني بـ«الذوق» ليس مجرد وصف عابر.
فالذوق في اللغة يدل على مباشرة الشيء والإحساس به، ولذلك جاء التعبير القرآني ليجعل الموت حقيقة يباشرها الإنسان بنفسه، لا مجرد مشهد يراه في الآخرين.
نحن نشاهد موت الآخرين…
نبكي على أحبابنا…
نشيّع الجنائز…
نزور المقابر…
ثم نعود إلى حياتنا.
لكن هناك لحظة لن يكون فيها الإنسان متفرجًا على الموت…
بل سيكون هو الذي يذوقه.
وهذه من أعظم الحقائق التي ينبغي أن تجعل الإنسان يعيد ترتيب حياته.
الموت ليس نهاية الحكاية
والقرآن الكريم لا يقدم الموت بوصفه عدمًا وفناءً محضًا، وإنما يضعه في سياق الإنتقال إلى مرحلة أخرى من الوجود.
قال تعالى:
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾
[ق: 19]
إنها سكرة…
لحظة عظيمة لا يستطيع الإنسان دفعها، ولا يستطيع تأجيلها، ولا يستطيع أن يطلب منها الرحيل.
وقد قال النبي ﷺ في مرضه الأخير:
«لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات».
فحتى خير الخلق ﷺ ذاق سكرات الموت.
وهنا درس بالغ العمق:
إذا كان رسول الله ﷺ قد ذاق سكرات الموت، فكيف بنا نحن؟
وحين تبلغ الروح الحلقوم… يسقط كل شيء
قال الله تعالى:
﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ﴾
[الواقعة: 83-85]
في تلك اللحظة لا تنفع الأموال…
ولا المناصب…
ولا الشهرة…
ولا عدد المتابعين…
ولا التصفيق…
ولا الممتلكات…
ولا الحسابات المصرفية…
ولا الألقاب التي كان الإنسان يظن أنها تمنحه قيمة فوق الآخرين.
كل شيء يبقى خلفه.
ويذهب الإنسان وحده…
إلى الحقيقة التي طالما حاول الهروب من التفكير فيها.
المؤمن أيضًا يذوق الموت… ولكن الفرق في اللقاء
قد يظن البعض أن المؤمن لا يتألم عند الموت، وهذا ليس دقيقًا.
فالموت له سكراته، وقد ثبت عن النبي ﷺ وصف شدة نزع الروح في أحاديث صحيحة.
لكن المؤمن يعيش الموت وهو يحمل شيئًا مختلفًا:
الرجاء في رحمة الله، وحسن الظن به، والإستعداد للقاء.
وفي الحديث الطويل المعروف بحديث البراء بن عازب رضي الله عنه، ورد وصف خروج روح المؤمن بصورة تختلف عن خروج روح الكافر، بما يحمل معاني عظيمة تتعلق بحال الإنسان عند إنتقاله من الدنيا إلى الآخرة.
ولهذا ليست القضية فقط:
متى سأموت؟
بل السؤال الأخطر:
كيف سأموت؟ وعلى أي حال سألقى الله؟
هنا يجب أن نخاف… ولكن لا نيأس
الخوف من الموت ليس المطلوب منه أن يجعلنا نكره الحياة.
بل المطلوب أن يجعلنا نحسن عيشها.
أن نصلي قبل أن تفوت الصلاة…
أن نعتذر قبل أن يصبح الإعتذار مستحيلًا…
أن نصل أرحامنا قبل أن تصبح القبور عنوان اللقاء…
أن نرد المظالم قبل أن نقف بين يدي الله…
أن نعطي الفقير…
أن نرحم الضعيف…
أن نكف ألسنتنا عن الغيبة والافتراء…
أن نتوقف عن ظلم الناس…
أن نترك وراءنا أثرًا طيبًا بدل أن نترك جرحًا في قلب إنسان.
فالموت لا يسأل عن عدد السنوات التي عشناها…
بل إن الإنسان حين يرحل، لا يأخذ معه إلا ما قدم.
قال تعالى:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾
[النجم: 39]
فماذا أعددتَ للطعم الذي ستذوقه؟
وهنا، ربما علينا أن نتوقف طويلًا…
لا لنسأل:
متى سأموت؟
فهذا علمه عند الله.
ولكن لنسأل:
ماذا أعددت ليوم الموت؟
كيف هي صلاتي؟
كيف هي علاقتي بالله؟
هل في قلبي ظلم لأحد؟
هل في ذمتي حق لإنسان؟
هل جرحت شخصًا ولم أعتذر؟
هل قطعت رحمًا؟
هل ظلمت ضعيفًا لأنني كنت أقوى منه؟
هل أغلقت بابي في وجه محتاج؟
هل سخرت من إنسان؟
هل أغتبت أحدًا؟
هل هناك دمعة تسببّت فيها وما زالت تسكن قلب صاحبها؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من السؤال عن موعد الموت.
لأن الموعد مجهول…
أما الإستعداد فهو بين أيدينا.
الموت أصدق موعد في حياتنا
نحن نؤجل كل شيء…
إلا الموت.
قد تؤجل السفر…
قد تؤجل الزواج…
قد تؤجل مشروعًا…
قد تؤجل زيارة…
قد تؤجل كلمة «سامحني»…
لكن الموت لا ينتظر أن تنتهي من قائمة مؤجلاتك.
قد يأتي وأنت تضحك…
أو وأنت نائم…
أو وأنت تعمل…
أو وأنت تخطط للغد…
وقد يأتيك وأنت تقول: سأفعل ذلك لاحقًا.
ولهذا كان من أعظم الحكم أن يعيش الإنسان مستعدًا للقاء الله، لا مرعوبًا من الموت، بل واعيًا بأن الحياة نفسها فرصة قصيرة للعمل.
وفي النهاية…
أيها الإنسان…
لا تغتر بصحتك، فكم من صحيح أصبح مريضًا في لحظة.
ولا تغتر بشبابك، فكم من شاب غادر الدنيا قبل الشيخوخة.
ولا تغتر بمالك، فكم من ثري ترك خلفه الملايين ورحل بثوب أبيض لا جيوب له.
ولا تغتر بمنصبك، فكل المناصب تنتهي.
ولا تغتر بشهرتك، فحتى الذين ملأوا الدنيا ضجيجًا أصبحوا أخبارًا في ذاكرة الناس.
سيأتي اليوم الذي لا يبقى فيه إلا:
عملك…
أثرك…
وما بينك وبين الله.
فحين تقرأ:
«﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾»
لا تمرّ عليها مرور العابرين…
توقف.
تأمل.
راجع نفسك.
وأسأل قلبك:
لو كان هذا اليوم هو آخر يوم لي في الدنيا… فهل أنا مستعد للقاء الله؟
إن كانت الإجابة تؤلمك…
فالحمد لله أن الباب ما زال مفتوحًا.
تب إلى الله اليوم، لا غدًا.
سامح اليوم، لا غدًا.
أصلح ما أفسدت اليوم، لا غدًا.
أفعل الخير اليوم، لا غدًا.
فربما يكون الغد موعدًا لا نملك تأجيله…
اللهم أرزقنا حسن الخاتمة، وثبّت قلوبنا على طاعتك، وأغفر لنا تقصيرنا، وأرحم موتانا وموتى المسلمين، وأجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
اللهم لا تجعل آخر كلامنا من الدنيا إلا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
هنا نابل
بقلم المعز غَنِـي.
كاتب وإعلامي من مدينة نابل.
عاشق الترحال وروح الاكتشاف.

