هنا نابل | بقلم المعز غني
ليس بالضرورة …
ليس بالضرورة أن يكون لك رأي في كل شيء ، ولا أن تمتلك
مفاتيح الإجابة لكل سؤال ، ولا أن تندفع إلى ساحة كل جدال
كأنك فارس الكلمات الذي لا يُهزم .
في هذا العالم المزدحم بالأصوات ، حيث يتسابق الجميع لإبداء الرأي ، وتعلو المنصات بكل من ظنّ أنه عَلِم ، يصبح الصمت أحيانًا حكمة ، ويغدو التريث فضيلة ، وتتحول عبارة «لا أعلم» إلى وسام صدقٍ نادر .
نحن نعيش زمنًا يظن فيه البعض أن الجهل عيب ، وأن التراجع ضعف ، وأن الإعتراف بعدم المعرفة نقص في القيمة.
لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير … فليس العيب أن تجهل ، بل العيب أن تتصنع العلم.
وليس النقص أن تقول «لا أعلم»، بل النقص أن تتحدث فيما لا تحيط به علمًا .
ما أجمل كلمة (لا أعلم) حين تخرج صادقة ، خالية من أدّعاء ، نقية من غرور .
وما أصدق جملة (لا يقع ضمن تخصصي) حين تعترف بأن لكل مجالٍ أهله ، ولكل فنٍّ رجاله ونساؤه .
وما أرقى عبارة (ليس من شأني) حين تحمي نفسك من الخوض فيما لا يعنيك ، وتجنّب قلبك ثقلًا لا حاجة لك به .
ليست الحكمة في كثرة الكلام ، بل في دقته .
وليست القوة في الحضور الدائم ، بل في أختيار اللحظة المناسبة للحضور .
وليست المكانة في أن تكون حاضرًا في كل نقاش ، بل في أن يعرف الناس أنك حين تتكلم … تقول ما يستحق أن يُقال .
إن رفعة شأن الإنسان لا تُقاس بكمية آرائه ، بل بصدقها .
ولا تُقاس بعدد معاركه الكلامية ، بل بقدرته على الإنسحاب حين يدرك أن الطريق ليس طريقه .
الواقعية ليست إنكسارًا، بل وعي .
ومعرفة الحدود ليست ضعفًا ، بل نضج وإدراك أين نقف ومتى نقف هو منتهى الحكمة .
في مدينة كـنابل عاصمة الوطن القبلي ، حيث البحر يعلمنا الإتساع ، وتعلمنا الأرض التواضع ، نتأمل كيف أن الطبيعة نفسها لا تدّعي ما ليس لها.
البحر لا يتحدث عن خصوبة التربة ، والأرض لا تتحدث عن عمق الموج.
لكلٍ مجاله ، ولكلٍ حدوده ، ومع ذلك يلتقيان في إنسجام ٍ بديع.
فلماذا نرهق أنفسنا بمحاولة الإحاطة بكل شيء؟
لماذا نظن أن علينا أن نُبدي رأيًا في كل حدث ، ونُعلّق على كل منشور ، ونخوض في كل شأن؟
السكينة الحقيقية تولد حين نتحرر من هذا العبء ، حين نسمح
لأنفسنا أن نتعلم بدل أن ندّعي ، أن نصغي بدل أن نقاطع ،
أن نعتذر عن الخوض بدل أن نُصرّ على الحضور .
ليس بالضرورة أن تعرف كل شيء في تخصصك ، فالعلم بحر لا ساحل له ، وكلما أزددنا معرفة أدركنا كم نجهل .
وهنا تكمن العظمة : في تواضع العالم ، وفي حياء العارف ، وفي صدق الإنسان مع نفسه .
فلنُربِّ في داخلنا شجاعة الإعتراف ، وشرف الصمت ونبل الانسحاب حين يلزم .
فأجمل الناس ليسوا أكثرهم كلامًا ، بل أكثرهم أتزانًا وأرفعهم شأنًا
ليسوا من يجيبون عن كل سؤال ، بل من يعرفون أي سؤال
يخصهم … وأي سؤال يتركونه لأهله .
تلك هي الواقعية التي ترفع قدر الإنسان ،
وتلك هي الحدود التي تحميه من السقوط في فوضى الادعاء
وتلك هي الحكمة التي تجعل حضوره قليلًا … لكنه مؤثر .
بقلم المعز غني عاشق الترحال وروح الاكتشاف
هنا نابل | بقلم المعز غني


