الرئيسيةمقالاتوجع مكتوب خير من وجع مكبوت
مقالات

وجع مكتوب خير من وجع مكبوت

وجع مكتوب خير من وجع مكبوت

بقلم : عماد نويجي
رغم إيماني ويقيني أن الكتابة ليست سبيلا لمحو أوجاعنا
فهي لا تعيد غائبا ولا تصلح ما انكسر ولا تمحو أثر خيبة ولا تعيد للروح ما فقدته في الطريق
لكنني على يقين آخر لا يقل رسوخا عن ذلك
أن وجعا مكتوبا خير بلا شك من وجع مكبوت
فالكتابة لا تقتل الوجع لكنها تمنحه مخرجا
تضعه أمامك على الورق بدل أن يظل عالقا في أعماقك يأكل من هدوئك ويثقل أيامك
حين نكتب لا نهرب من الألم كما يظن البعض
بل نواجهه
ننظر إليه مجردا من الخوف ونحاول أن نفهم لماذا جاء وماذا فعل بنا وماذا بقي منه فينا
كم من إنسان ابتلع كلماته حتى تحولت الكلمات داخله إلى صمت ثقيل
وكم من قلب ظل يتظاهر بالقوة بينما كان في داخله شيء ينهار كل يوم
ليست المشكلة دائما في الألم
فالألم جزء من الحياة
المشكلة في أن نمنحه غرفة مغلقة داخل أرواحنا ونتركه يكبر في الظلام
الكتابة تفتح تلك الغرفة
تدخل إليها قليلا من النور
وقد لا تشفيك الجملة الأولى ولا الصفحة الأولى
لكنها تجعلك أقل اختناقا
لأنك أخيرا قلت ما عجزت عن قوله
وأخرجت من داخلك شيئا كان يطالب بالخروج

لهذا لا أكتب لأنني أعتقد أن الكتابة ستنقذني من كل أوجاعي
أكتب لأنني أعرف أن بعض الأوجاع إذا لم تجد لغة لها تحولت إلى صمت

وجع مكتوب خير من وجع مكبوت
وبعض الصمت إذا طال تحول إلى قسوة
وبعض القسوة قد تعود على صاحبها قبل أن تصيب غيره

الكتابة ليست معجزة
لكنها أحيانا تكون اليد التي تربت على كتفك حين لا تجد أحدا
وهي ليست دواء لكل جرح
لكنها تمنح الجرح اسما
وما إن نسمي أوجاعنا حتى تصبح أقل غموضا وأكثر قابلية للفهم
ربما لا نستطيع أن نمحو ما حدث
لكننا نستطيع أن نعيد صياغة علاقتنا بما حدث
وهنا تكمن قوة الكتابة
أن تجعل من الوجع شهادة
ومن الخسارة معنى
ومن الانكسار بداية جديدة

لذلك سأظل أكتب
لا لأنني شُفيت
بل لأنني لا أريد لأوجاعي أن تبقى حبيسة صدري
فالوجع حين يكتب لا يختفي
لكنه يتوقف عن مطاردتنا في الظلام
ويجلس أمامنا على الورق
نراه
نفهمه
ثم نمضي
وربما كان هذا هو أقصى ما تستطيع الكتابة أن تمنحنا إياه
أن تجعلنا قادرين على المضي رغم كل ما لم نستطع نسيانه

وجع مكتوب خير من وجع مكبوت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *