إذاعة الأغاني حين كان للطرب الأصيل هيبة وللأغنية معنى
بقلم الدكتورة نور جلال. الاستاذ بكليه الاثار جامعة عين شمس

«فاتت جنبنا».. «وأنا عايز صبية».. «بيت العز يا بيتنا».. ليست مجرد أغانٍ نسمعها، بل حكايات من زمن جميل، وذكريات تسكن الوجدان، وأصوات تعيدنا إلى أيام كان للطرب فيها مذاق خاص، وللكلمة قيمتها، وللحن سحره، وللمطرب مكانته.
من حسنات الزمن علينا أن إذاعة الأغاني ما زالت باقية، تحمل إلينا تراثًا فنيًا لم تستطع السنوات أن تمحوه، ولم تنجح موجات الموسيقى الهابطة في أن تنتزع مكانته من قلوب عشاق الفن الأصيل. نحن أبناء ذلك الجيل، ونثق أن كثيرًا من الأجيال الجديدة ستكتشف يومًا قيمة ما تركه هؤلاء العمالقة من إبداع لا يعرف الملل ولا يفقد بريقه.
عبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وفايزة أحمد، ووردة، ونجاة، وشادية، وصباح، ومحرم فؤاد، ورشدى، وغيرهم من أصحاب الأصوات المميزة، كانوا فرسانًا في ميدان الطرب، يتنافسون على الإبداع، ويلتقون في ساحة الفن الراقي، دون أن ينتقص نجاح أحدهم من قيمة الآخر.
كانت الأغنية عملًا فنيًا متكاملًا، يبدأ من فكرة تستحق أن تُغنّى، وكلمات تُكتب بعناية، ولحن يحمل بصمة صاحبه، وصوت يعرف كيف يصل إلى القلب. خلف كل أغنية ساعات طويلة من التدريب والمراجعة، وحرص على امتلاك الأدوات الفنية، واحترام لعقل المستمع وذوقه.
وكانت الأوركسترا عالمًا من الإبداع؛ لكل آلة دورها، ولكل عازف مساحته التي يتألق فيها، حتى إننا كنا ننصت إلى الناي أو الكمان وكأنهما يرويان حكاية مستقلة داخل الأغنية ونشير الى العازفين بالبنان. لم تكن الموسيقى تطغى على صوت المطرب، ولم يكن المطرب يلغي دور الموسيقي، بل كانت هناك معادلة فنية متوازنة، تقوم على الثقة والتكامل والانسجام.
تأملوا، مثلًا، أغنية ليلى مراد «اتمخطري واتميلي يا خيل»؛ كيف استطاعت الألحان أن تستحضر حركة الخيل وتمايلها، حتى تكاد تشعر بأن النغمات تنطلق من وقع حوافرها، وتتراقص على إيقاع جلاجلها. هنا تتجلى عبقرية التلحين، حين تتحول الموسيقى إلى صورة تتحرك في الخيال، ويصبح السماع رحلة إلى عالم من الجمال.
أما اليوم، فقد فرضت بعض أنماط الغناء نفسها على الساحة، معتمدة على الإيقاعات الصاخبة والتكرار والحركات الاستعراضية، وأحيانًا على المبالغة في المظهر والرقص، على حساب الصوت والكلمة واللحن. وفي بعض الأعمال، ما نرى صوتا بل الاستعراض المصاحب برقص وابتزاز وكأنه الغاية، بينما يتراجع الفن إلى الخلف، وكأن المطلوب من المستمع أن يرقص قبل أن يسمع، وأن ينشغل بالصورة قبل أن يتذوق الموسيقى.
وليس المقصود أن كل جديد مرفوض، أو أن الماضي كان خاليًا من العيوب، فلكل عصر تجاربه وألوانه، ولكل جيل ذوقه الخاص. لكن الفارق الحقيقي يظل في قيمة العمل، واستمرارية الاغنيه وقدرة صاحبها على تقديم فن يحترم المستمع، ويترك أثرًا يتجاوز لحظة انتشاره.
الأغنية التي تُبنى على الموهبة والإبداع تستطيع أن تعيش عقودًا، بينما قد تختفي الأغنية التي تعتمد على الضجيج والانتشار السريع بمجرد انحسار موجتها. فالفن الأصيل لا يحتاج إلى صخب دائم كي يثبت وجوده، ولا إلى استعراض مبالغ فيه كي يجذب الانتباه؛ يكفي أن يمتلك الصدق والجمال والقدرة على ملامسة الوجدان.
لهذا، تبقى إذاعة الأغاني نافذة مفتوحة على زمن لا نريد أن نفقده، وجسرًا يصل الأجيال الجديدة بتراث موسيقي يستحق الاكتشاف والتقدير. إنها تذكير دائم بأن الذوق يمكن أن يتجدد دون أن يتخلى عن أصوله، وأن التطور لا يعني إهدار القيمة، وأن احترام الفن يبدأ من التمييز بين ما يلمع لحظة وما يبقى في الذاكرة طويلًا.
يا ولدي، إن أردت طربًا أصيلًا، فاستمع بقلبك، واحترم حواسك، وتعلّم أن تفرّق بين الغث والثمين. ستكتشف أن بعض الأغاني ليست مجرد ألحان، بل وطن صغير نعود إليه كلما أرهقنا صخب الحياة، وأن الطريق إلى بر الأمان الفني يظل مفتوحًا ما دامت هناك إذاعة تحفظ الذاكرة، وأذن تعرف كيف تنصت، وقلب لا يزال يحب الجمال
إذاعة الأغاني حين كان للطرب الأصيل هيبة وللأغنية معنى
📧 اشترك في النشرة البريدية
أهم الأخبار توصلك على بريدك.
💬 التعليقات (0)