
**الكاتب/ عَايِد حَبِيب جُنْدِي الجَبَلِي**
الإنسان لا يستطيع أن يحتمل العبقرية ويمضي قدماً مع أناس لن تفهمه؛ فعقله يتجه إلى مناقضة الشعوب من حوله لأنها لا تفهم، فينعزل عن المجتمع الذي حوله ويناقض كل شيء سلبي، ولا يصمت عن الأشياء.
والحالة الثانية أن يأخذ عقله في العزلة الدائمة، وهذا يجده هو حسناً من أجل ألا يختلط بأي شخص يروي له قصصاً من الواقع؛ فالواقع هو دارسه ومتهرب منه، فيصبح محدّث هذا الشخص الذي يروي له قصصاً يغضبه ويعكر صفوه المجازي، ولا يريد أن يستمع منه، فمُحرجٌ أن يتركه ويمضي، ومُحرجٌ أن يقول له كفَّ عما تتحدث من أجله، فيقرر أن ينعزل في منزله ولا يختلط بأحد.
وهناك شخص آخر لا يحتملها فيصيبه التوحد والتعب النفسي؛ لأنه لم يصل بما داخله من حلول جذرية في العبقرية. وفيهم من يخرجها وتصبح منفعة للمجتمع الذي حوله حينما يجد أناساً تفهم وتستوعب ما يشرحه من العبقرية التي في داخله.
أما عند شعوب أخرى فالعبقرية تُسمى: “فلان ده مُفتّح” أي نبيه أو ذكي، ومؤخراً يقولون عنه إنه ذكي، وممكن هو يكون عبقرياً ولم يعرف نفسه في هذه المجتمعات، وممكن يعرف نفسه أنه عبقري ويستخدمها في الملاوعة والاحتيال والخبث مع أفراد مجتمعه من أجل أن يصل لشيء ما، ولا يستخدم عبقريته في اكتشاف ماذا يصنع أو يبتكر شيئاً فيه منفعة للآخرين
النص يتناول العبقرية وعلاقتها بالمجتمع، وما يمكن أن يحدث للإنسان عندما تكون أفكاره أوسع من البيئة المحيطة به. ويمكن شرح فكرته على النحو الآتي:
1. العبقري قد يشعر بأنه مختلف عن الآخرين
تبدأ الفكرة بأن الإنسان الذي يمتلك قدرة عقلية أو رؤية مختلفة قد يجد صعوبة في الانسجام مع أشخاص لا يفهمون طريقة تفكيره. فهو يرى أمورًا قد لا يراها الآخرون، ولذلك يبدأ في مخالفة بعض الأفكار السائدة وانتقاد السلبيات الموجودة حوله.
وهنا لا تعني العبقرية مجرد الذكاء، بل القدرة على رؤية الأشياء بطريقة مختلفة، وطرح أسئلة وحلول غير مألوفة.
2. الاختلاف قد يقود إلى العزلة
عندما يحاول الإنسان أن يناقش أفكاره مع الآخرين ولا يجد من يستوعبها، قد يختار الابتعاد عن المجتمع.
والنص يصف حالة نفسية دقيقة:
الشخص لا يريد الاستماع إلى الأحاديث التي يرى أنها سطحية أو بعيدة عن اهتماماته، لكنه في الوقت نفسه يشعر بالحرج من أن يقول للآخر: توقف عن الحديث.
فيصبح المنزل بالنسبة إليه مكانًا أكثر راحة، فيختار العزلة بدلًا من الدخول في أحاديث لا يشعر أنها تضيف شيئًا إلى عالمه الفكري.
3. العزلة ليست دائمًا دليلًا على القوة
ينتقل النص بعد ذلك إلى حالة أكثر صعوبة، وهي أن الإنسان قد يعجز عن التعامل مع ما يدور في داخله من أفكار.
فإذا امتلك أفكارًا كثيرة ولم يجد وسيلة للتعبير عنها أو تحويلها إلى عمل، فقد يشعر بالتعب النفسي والإنهاك.
وهنا تظهر فكرة مهمة جدًا في النص:
العبقرية إذا بقيت محبوسة داخل الإنسان قد تتحول إلى عبء، أما إذا خرجت في صورة إبداع أو اختراع أو فكرة نافعة فقد أصبحت نعمة على صاحبها وعلى المجتمع.
4. المجتمع يستطيع أن يغيّر مصير العبقري
النص لا يحمّل العبقري وحده مسؤولية معاناته، بل يلمح أيضًا إلى دور المجتمع.
فإذا وجد الإنسان أشخاصًا يفهمونه ويستوعبون أفكاره، فإنه يستطيع أن يخرج ما بداخله من طاقة فكرية، ويحوّلها إلى شيء نافع.
أما إذا عاش وسط بيئة تسخر من أفكاره أو لا تمنحه فرصة للتعبير، فقد ينغلق على نفسه.
وهذه من أقوى أفكار النص: البيئة التي تحيط بالعقل المبدع قد تساعده على الظهور، وقد تدفعه إلى الاختفاء.
5. اختلاف نظرة الشعوب إلى الذكاء
في الجزء الأخير ينتقل النص إلى اختلاف المصطلحات والنظرة الاجتماعية.
ففي بعض البيئات قد يقال عن الشخص: «فلان ده مفتّح»، أي أنه منتبه ونبيه ويفهم الأمور بسرعة. ثم أصبح استعمال كلمة «ذكي» أكثر شيوعًا.
لكن الكاتب يطرح سؤالًا مهمًا:
ماذا لو كان الشخص في الحقيقة يمتلك قدرة أكبر من مجرد الذكاء، أي يمتلك عبقرية حقيقية، لكنه لم يكتشفها أو لم يعرف المجتمع كيف يكتشفها؟
6. العبقرية يمكن أن تُستخدم في الخير أو الشر
وهذه من أهم النقاط في النص.
فالكاتب لا يرى أن العبقرية وحدها تجعل الإنسان صالحًا.
يمكن لشخص ذكي أو شديد الملاحظة أن يستخدم قدرته في الاختراع والإبداع وخدمة الناس، ويمكن لشخص آخر أن يستخدم القدرة نفسها في الاحتيال والمراوغة والخبث للوصول إلى مصالح شخصية.
إذن:
العبقرية قدرة، وليست أخلاقًا.
والأخلاق هي التي تحدد الاتجاه الذي ستذهب إليه هذه القدرة.
الخلاصة الفكرية
النص في جوهره يقول إن الإنسان العبقري قد يعاني عندما يعيش وسط مجتمع لا يفهم اختلافه، وقد تدفعه هذه المعاناة إلى العزلة. لكن العبقرية لا ينبغي أن تبقى حبيسة العقل؛ قيمتها الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى فكرة أو معرفة أو اختراع أو عمل يخدم الآخرين.
والكاتب يطرح في النهاية سؤالًا ضمنيًا عميقًا:
هل المشكلة في العبقري الذي لا يستطيع المجتمع فهمه، أم في المجتمع الذي لا يعرف كيف يكتشف العباقرة الموجودين بين أفراده؟
وهنا تكمن قوة النص؛ لأنه لا يتحدث عن الذكاء بوصفه قدرة عقلية فقط، بل يتحدث عن المسؤولية الأخلاقية في استخدام العقل، وعن حاجة الإنسان المبدع إلى مجتمع يستطيع أن يسمعه ويفهمه بدلًا من أن يدفعه إلى العزلة.
مقال فلسفي أدبي يتناول العبقرية وعلاقة الإنسان المبدع بالمجتمع، وكيف يمكن لعدم فهم الآخرين لأفكاره أن يدفعه إلى العزلة والتعب النفسي. يناقش المقال الفرق بين الذكاء والعبقرية، وكيف يمكن للعقل المبدع أن يتحول إلى طاقة نافعة

