بقلم محمد عطا القطيعي
يا صاحبي، ما الأزمةُ إلا سحابةٌ سوداءُ تمرُّ فوق رأسِ الإنسانِ، فتظنُّ -لأولِ وهلةٍ- أنَّ الشمسَ قد انطفأت إلى الأبد، وأنَّ الليلَ قد عقدَ لواءَهُ ولن يرحل. والحقيقةُ أنَّ الشمسَ لم تبرح مكانها، إنما نحنُ الذين أغمضنا أعيننا عنها حين فزعنا.
إنَّ الحياةَ ليست طريقًا مُعبدًا مفروشًا بالورد، بل هي سلسلةٌ من العثراتِ والمزالقِ، وكلُّ عثرةٍ هي أزمةٌ صغيرةٌ تلبسُ ثوبًا كبيرًا. فهناك أزمةُ الرزقِ، وأزمةُ القلبِ، وأزمةُ الفكرِ، وأزمةُ الوطنِ في صدرِ ابنِهِ. ولكلِّ أزمةٍ وجهٌ، ولكلِّ وجهٍ فكرٌ، ولكلِّ فكرٍ مفتاحٌ لا يُفتحُ إلا به.
وأولُ مفاتيحِ الخروجِ أيها الحبيب، هو التريُّث.
فإنَّ الأزماتِ لا تُحلُّ بثورةِ الغاضبِ، ولا بعجلةِ الخائفِ، إنما تُحلُّ بأناةِ الحكيمِ الذي يقفُ على حافةِ النارِ ولا يلقي بنفسهِ فيها. إنَّ البحثَ عن الحلِّ يحتاجُ إلى تريُّثٍ كتريُّثِ الزارعِ؛ لا يستعجلُ الثمرةَ قبل أوانها، بل يسقي ويصبرُ حتى تستوي على سوقها. فكم من أزمةٍ كبرت لأننا أردنا أن نقتلها وهي وليدة، وكم من مشكلةٍ تعقدت لأننا ظننا أنَّ الصراخَ حلٌّ.
والأمرُ الثاني: أنْ تعرفَ من أين يبدأُ الخيط.
إنَّ الأزمةَ كخيطٍ متشابكٍ، لا يُفكُّ بشدِّهِ من كلِّ جانب، بل بالبحثِ عن أولهِ. ضع نقطةً، ثم ضع فوقها نقطةً، ثم ثالثةً. اسأل نفسك: أين بدأت؟ متى زلَّت القدمُ أولَ مرة؟ ما هو الحجرُ الأولُ الذي سقطَ فتداعت بعدهُ الأحجار؟ إنَّ معرفةَ مبدأِ البلاءِ هي نصفُ الشفاءِ، ومن عرفَ من أين أُتي، عرفَ كيف يعود.
ثم يأتي الركنُ الأعظمُ الذي يغفلُ عنه كثيرٌ من الناسِ في خضمِّ أوجاعهم، وهو المشورةُ والتخصص.
يا سادة.. إنَّ من المروءةِ والأمانةِ أن نعترفَ بأننا لا نعلمُ كلَّ شيء. فكما أنك لا تطلبُ من النجارِ أن يُداوي جرحك، ولا من الطبيبِ أن يبني لك دارك، فكذلك لا تطلبُ لنفسك في أزمتك أن تكون أنت الطبيبُ والقاضي والمعلمُ في آنٍ واحد.
التخصصُ أمانةٌ. إنَّ الرجلَ إذا تعلمَ صنعةً أو علمًا، فقد حملَ في عنقهِ ميثاقًا أن ينصحَ لله وللناسِ. فاذهب إلى صاحبِ الفنِّ في فنهِ، حتى ولو لم يكن من أهلِ ثقتك، فإنَّ تخصصهُ سيلزمهُ أن يصدقك القول. وإنَّ كلمةً واحدةً من فمِ خبيرٍ، قد توفرُ عليك سنواتٍ من التخبطِ في الظلام. وشاور أهلَ الرأيِ والفكرِ، فإنَّ العقولَ إذا تلاقحت، ولدت نورًا لا يولدُ في عقلٍ واحدٍ أبدًا. العقلُ وحدهُ كالمصباحِ الواحدِ في الصحراء، والعقولُ مجتمعةً كالنجومِ تهدي الساري في الليلِ البهيم.
فيا أيها المأزومُ، يا من أثقلتهُ الهمومُ حتى ظنَّ أنَّ صدرهُ سيضيقُ بما فيه..
اعلم أنَّ الأزمةَ ليست نهايةَ الطريقِ، بل هي الطريقُ نفسهُ يمتحنُ صدقَ إرادتك. وما خُلقت الأزماتُ إلا لتصنعَ منك رجلًا آخرَ، أعمقَ فكرًا، وأصلبَ عودًا، وأرهفَ قلبًا.
فقفْ، وتأملْ، وتريَّثْ، وفكِّرْ، واسألْ، وضعِ النقاطَ فوقَ الحروفِ، والهزَّاتِ فوقَ الهزَّاتِ، حتى تستبينَ الكلماتُ، وحتى يظهرَ المعنى.
فما بعدَ الليلِ إلا الفجرُ، وما بعدَ العُسرِ إلا اليُسرُ، وما بعدَ العثرةِ إلا نهوضٌ، لمن أرادَ أن ينهض.
ارجو اعاده صياغه هذا الموضوع هو وضع عنوان له رائع عنوان في جريده موطني المحليه والدوليه ويكون ببدايه ادبيه رائعه ونهايه وقفلى صحفيه رائعه موضوع صحفي هام جدا الخروج من الازمه
من قلب الأزمة يولد الفرج… كيف نعبر العاصفة ونصنع من المحنة بدايةً جديدة؟
ليس كلُّ ليلٍ دليلًا على انطفاء الشمس، ولا كلُّ عثرةٍ إعلانًا عن نهاية الطريق؛ فكم من إنسانٍ أرهقته الحياة حتى ظنَّ أن الأبواب قد أُغلقت في وجهه، ثم اكتشف بعد حينٍ أنَّ الباب الذي عجز عن فتحه كان يقوده إلى بابٍ آخر، وأنَّ المحنة التي حسبها نهاية حكايته لم تكن إلا فصلًا جديدًا من فصول نضجه وانتصاره.
إنها الأزمات، تلك اللحظات الثقيلة التي تختبر صلابة الإنسان، وتكشف حقيقة ما يملكه من صبرٍ وحكمةٍ وإرادة. فالحياة لا تمنح أحدًا طريقًا مستويًا على الدوام؛ تتعاقب فيها أيام الرخاء والشدة، وتتداخل فيها الأفراح والأحزان، ويجد الإنسان نفسه أحيانًا أمام مشكلاتٍ تتشابك خيوطها حتى يخيل إليه أن الخروج منها ضربٌ من المستحيل. لكن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن عقولنا أنَّ الأزمة، مهما اشتدَّت، ليست قدرًا باليأس، ولا جدارًا لا يمكن تجاوزه، بل موقفٌ يحتاج إلى وعيٍ وحسن تقديرٍ وإرادةٍ لا تستسلم.
أول مفاتيح الخروج من الأزمة أن نمتلك شجاعة الهدوء. فحين تضطرب النفوس، تضيق الرؤية، وتبدو الحلول أبعد مما هي عليه في الحقيقة. وقد يتخذ الإنسان في لحظة غضبٍ قرارًا يضاعف أزمته، أو يتعجل خطوةً يندم عليها طويلًا. لذلك فإن التريث ليس ضعفًا، والتأني ليس عجزًا، بل هما من علامات العقل الراجح الذي يعرف أن القرارات المصيرية لا تُصنع تحت ضغط الانفعال، وإنما تُبنى على الفهم والتقدير وموازنة العواقب. فليس المطلوب أن نُسرع في مواجهة الأزمة، بل أن نُحسن اختيار الخطوة التي تقودنا إلى تجاوزها.
وثاني المفاتيح أن نبحث عن جذور المشكلة، لا أن ننشغل بأعراضها وحدها. فالأزمات كثيرًا ما تبدأ بتفصيلٍ صغيرٍ نهمله، أو خطأٍ نتغاضى عنه، أو قرارٍ نتخذه دون دراسة، ثم تتراكم النتائج حتى تصبح المشكلة أكبر من أسبابها الأولى. ومن هنا تبدأ الحكمة الحقيقية: أن يسأل الإنسان نفسه بصدق؛ أين بدأت الأزمة؟ وما أسبابها؟ وما الذي أستطيع تغييره؟ وما الذي ينبغي أن أتعامل معه كما هو؟ إن تحديد موضع الخلل نصف الطريق إلى إصلاحه، أما الهروب من مواجهة الحقيقة فلن يزيد الأمور إلا تعقيدًا.
وثالث المفاتيح أن نعرف قدر أنفسنا، وأن نستعين بأهل الخبرة والاختصاص. فليس من الحكمة أن يتوهم الإنسان أنه قادر على معالجة كل مشكلة بمفرده، أو أن يجعل من رأيه الشخصي حكمًا نهائيًّا في كل شأن. فلكل مجالٍ أهله، ولكل مشكلةٍ أدواتها، ولكل أزمةٍ طريقٌ يناسب طبيعتها. من تعثرت به أموره المالية احتاج إلى مشورةٍ ماليةٍ واعية، ومن واجه نزاعًا قانونيًّا احتاج إلى متخصصٍ أمين، ومن أثقلته المشكلات النفسية أو الاجتماعية قد يحتاج إلى مساعدة أهل الخبرة في تلك المجالات.
إن طلب المشورة ليس انتقاصًا من قيمة الإنسان، بل اعترافٌ ناضج بأن المعرفة تتكامل، وأن العقل حين يستعين بعقولٍ أخرى يصبح أقدر على رؤية ما خفي عنه. وقد تختصر نصيحةٌ صادقة من خبيرٍ أمين شهورًا من الحيرة، وتفتح أمام الإنسان طريقًا لم يكن يراه وسط ازدحام أفكاره ومخاوفه.
أما المفتاح الرابع فهو أن نُفرّق بين ما نملكه وما لا نملكه. فهناك أمورٌ نستطيع تغييرها بالعمل والاجتهاد، وأخرى تحتاج إلى وقتٍ وصبر، وثالثة لا نملك ردَّها أو التحكم فيها، وإنما نملك حسن التعامل معها. والحكمة ليست في استنزاف أعمارنا في مقاومة ما لا نستطيع تغييره، بل في توجيه طاقتنا إلى ما نستطيع إصلاحه، مع الاحتفاظ بالأمل فيما لم تتضح نتائجه بعد.
وليس معنى ذلك أن ننتظر الفرج مكتوفي الأيدي، أو أن نُسمّي الاستسلام صبرًا؛ فالصبر الحقيقي حركةٌ واعية، والعمل الحقيقي إرادةٌ تستمر رغم العوائق. وما قيمة الأمل إذا لم يتحول إلى سعي؟ وما جدوى التخطيط إذا لم تتبعه خطواتٌ عملية؟ إن الخروج من الأزمات يحتاج إلى عقلٍ يُحسن التفكير، وقلبٍ يحتفظ بالأمل، ويدٍ تعمل، ونفسٍ لا تجعل من أول إخفاقٍ حكمًا نهائيًّا على المستقبل.
ومن أخطر ما تفعله الأزمات أنها قد تُقنع الإنسان بأنه أصبح عاجزًا، وأن ما فاته لن يعود، وأن الأبواب التي أُغلقت لن تُفتح من جديد. وهنا ينبغي أن نتذكر أن التجربة لا تُقاس فقط بما خسرناه خلالها، بل بما تعلمناه منها أيضًا. فقد يخسر الإنسان مالًا، لكنه يربح خبرةً تحميه من تكرار الخطأ، وقد يفقد فرصةً كان يعوّل عليها، لكنه يكتشف قدراتٍ لم يكن يعرفها في نفسه، وقد يمر بتجربةٍ قاسيةٍ تعلّمه أن يعيد ترتيب أولوياته، وأن يختار معاركه بحكمة، وأن يمنح كل شيءٍ حجمه الحقيقي.
إن الأزمة لا تصنع النجاح وحدها، ولا تجعل كل من يمر بها أقوى تلقائيًّا؛ وإنما تصنع الفارقَ طريقةُ تعاملنا معها، ومدى استعدادنا للتعلم والتغيير، وقدرتنا على الاعتراف بالأخطاء وتصحيح المسار. فبعض الناس تخرجهم المحن أكثر نضجًا واتزانًا، وبعضهم يظل أسير الوجع لأنه يرفض أن يتعلم من التجربة. والفرق بين الاثنين ليس في قسوة الظروف وحدها، بل في الوعي الذي يواجهها، والإرادة التي تتحرك في قلبها.
وإذا كانت الأزمات الفردية تحتاج إلى الحكمة والعمل والمشورة، فإن أزمات المجتمعات والأوطان تحتاج، فوق ذلك، إلى التضامن، وتغليب المصلحة العامة، وتكامل الجهود، والابتعاد عن تبادل الاتهامات الذي يستهلك الطاقات دون أن يصنع حلًّا. فالأوطان لا تتجاوز عثراتها بالصراخ وحده، ولا تنهض بالتمنيات، وإنما تنهض حين تتحول المشكلات إلى مسؤوليات مشتركة، وحين يصبح العلم أساس القرار، والكفاءة معيار الاختيار، والعمل الجاد طريقًا للإصلاح.
ولعل أجمل ما نتعلمه من الأزمات أن الإنسان لا يُقاس بعدد المرات التي سقط فيها، وإنما بقدرته على النهوض، ولا بقسوة الظروف التي واجهها، وإنما بحكمته في التعامل معها. فالحياة لا تعدنا بألا نتعثر، لكنها تمنحنا في كل تجربة فرصةً جديدةً للفهم والتغيير وإعادة المحاولة.
الخروج من الأزمة ليس أن تعود إلى حياتك كما كنت قبلها فحسب، بل أن تخرج منها أكثر وعيًا بما ينبغي أن تكون عليه. أن تعرف متى تتقدم ومتى تتريث، ومتى تتمسك برأيك ومتى تستمع إلى غيرك، ومتى تحارب من أجل هدفك ومتى تغيّر الطريق دون أن تتخلى عن غايتك.
القفلة الصحفية
وفي النهاية، تذكّر أن العاصفة مهما اشتدت لا تمنحك ضمانًا بأن الطريق سيكون سهلًا، لكنها تمنحك فرصةً لتكتشف صلابتك، وأن العتمة مهما طالت لا تعني أن الفجر قد نسي موعده. فلا تجعل أزمتك سجنًا لأفكارك، ولا تسمح للخوف أن يصادر مستقبلك؛ اهدأ، وافهم، واستشر، وخطّط، ثم ابدأ من حيث تستطيع، ولو بخطوةٍ صغيرة.
فالأزمات لا تنتهي بمجرد أن نتمنى زوالها، بل تبدأ نهايتها الحقيقية حين نتوقف عن الاستسلام لها، ونشرع في صناعة الحل. وحينها فقط ندرك أن الخروج من الأزمة ليس عبورًا من الألم إلى الراحة فحسب، بل عبورٌ من الغفلة إلى الوعي، ومن التردد إلى القرار، ومن الانكسار. الى النهوض من جديد
————–القطيعى الشريف—————
الخروج من الازمه

