العالم يشهد عواصف انتقام فوق برميل البارود حين يصبح الصمت بين الكبار أخطر من صراخ المدافع
بقلم محمد عطا القطيعي
هناك أزمنة لا يحتاج فيها العالم إلى إعلان الحرب كي يشعر برائحتها.
يكفي أن تتحرك حاملات الطائرات في البحر، وأن تتكاثر الصواريخ على منصات الإطلاق، وأن تتحول الحدود إلى أصابع موضوعة على الزناد، وأن تتبادل العواصم الكبرى عبارات التهديد والتحذير، حتى يدرك الإنسان أن شيئًا ثقيلًا يتحرك تحت سطح الأرض.
العالم اليوم لا يقف أمام باب الحرب فحسب… بل يقف فوق برميل بارود، وكل عاصمة كبرى تحمل في يدها عود ثقاب، وتقول للعالم: لا تقلقوا، نحن نعرف كيف نستخدمه!
وهنا تكمن المفارقة المرعبة.
فروسيا تعيد ترتيب أوراقها العسكرية، وحلف الناتو يعزز جناحه الشرقي، وأوروبا تتحدث بلغة أمنية أكثر صرامة، والحرب الهجينة والاختراقات السيبرانية والتخريب أصبحت جزءًا من قاموس الصراع الحديث، بينما الشرق الأوسط يعيش على صفيح ساخن، وتبقى المواجهة الأمريكية الإيرانية واحدة من أخطر بؤر التصعيد الدولي.
وفي الخلفية تقف الصين والولايات المتحدة أمام واحدة من أعقد خرائط التنافس في العالم.
أكثر من جبهة… أكثر من أزمة… أكثر من قوة كبرى… وأكثر من زر يمكن أن يشعل النار.
ليست المشكلة أن العالم يريد الحرب… بل أن العالم يقترب منها وهو يظن أنه يمنعها
هذه هي المفارقة التي تستحق أن نتوقف أمامها.
كل طرف يقول:
أنا أستعد للدفاع.
وكل طرف ينظر إلى استعداد خصمه فيقول:
إنه يستعد للهجوم.
فتبدأ دوامة لا يعرف أحد أين تنتهي.
تزيد دولة تسليحها لأنها تخشى خصمها.
فيزيد الخصم تسليحه لأنه يخشى زيادة تسليحها.
فتعتبر الدولة ذلك دليلًا جديدًا على صحة مخاوفها.
وهكذا يصبح الخوف وقودًا للتسلح، والتسلح وقودًا للخوف.
هذه ليست رواية خيالية.
هذه هي واحدة من أخطر آليات الصراع بين القوى الكبرى.
روسيا والناتو.. لعبة الأعصاب التي لا تحتمل خطأً واحدًا
لم يعد الصراع الروسي الغربي مجرد حرب في أوكرانيا.
لقد أصبح مواجهة استراتيجية واسعة تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية مع العقوبات والاقتصاد والطاقة والأمن السيبراني والحرب المعلوماتية والطائرات المسيرة.
وحين يتحدث حلف الناتو عن تعزيز دفاعاته على جناحه الشرقي، وحين تتحدث دول أوروبية عن تهديدات روسية هجينة، فإن الرسالة واضحة:
المرحلة لم تعد مرحلة الاطمئنان القديم.
لكن الواضح أيضًا أن الحديث عن الاستعداد والردع لا يعني تلقائيًا أن قرار الحرب الشاملة قد اتخذ.
وهذه نقطة لا يجوز أن تضيع وسط ضجيج العناوين.
فالصحافة التي تحترم عقل القارئ لا تقول:
«الحرب العالمية غدًا.»
لمجرد أن العالم يعيش توترًا غير مسبوق.
بل تقول:
«الخطر يرتفع… فلنراقب المؤشرات قبل أن نحول الاحتمال إلى حقيقة.»
أخطر شيء في زمن الحرب.. خبر لا نعرف من أطلقه
في الماضي كان يمكن أن تسمع صوت المدفع قبل أن تصل إليك أخبار المعركة.
أما اليوم فقد تصل إليك الحرب عبر شاشة هاتفك قبل أن يصل أول صاروخ إلى هدفه.
مقطع مفبرك.
صورة قديمة.
تصريح مبتور.
معلومة استخباراتية غير مؤكدة.
حساب مجهول يعلن:
«الحرب بدأت!»
ثم تتلقفها آلاف الصفحات.
ثم تتحول الشائعة إلى حالة ذعر.
ثم تتحول حالة الذعر إلى ضغط سياسي.
وهنا يصبح العالم كله رهينة بضغطة زر.
ولهذا فإن الكلمة في زمن الصواريخ قد تصبح أخطر من الرصاصة.
الشرق الأوسط.. برميل آخر بجوار البرميل الأوروبي
ولا يمكن قراءة المشهد العالمي بعيدًا عن الشرق الأوسط.
فكلما اشتعلت جبهة، تحركت أخرى.
وكلما دخلت قوة كبرى في صراع، ظهرت انعكاساته على أسعار الطاقة والممرات البحرية والأسواق والتحالفات والقواعد العسكرية.
وهنا لا تعود الحرب حرب بلدين.
قد تبدأ بين دولتين، لكنها تفتح أبوابًا لعشرات الأطراف.
وهذا هو الخطر الحقيقي:
أن تتشابك الحرائق قبل أن يتمكن أحد من إطفائها.
فالعالم لا يعيش أزمة واحدة يمكن إغلاقها ببيان سياسي.
إنه يعيش شبكة من الأزمات المتداخلة، وكل عقدة فيها يمكن أن تشد العقدة الأخرى.
وهل اقتربت الحرب العالمية الثالثة؟
السؤال مخيف.
لكن الإجابة يجب ألا تكون أكثر تخويفًا من الحقيقة.
لا توجد معطيات تسمح بالجزم بأن حربًا عالمية ستندلع في نهاية هذا العام أو العام المقبل.
وفي الوقت نفسه، لا يستطيع عاقل أن يتجاهل حجم التوترات العسكرية والاستراتيجية القائمة.
إذن نحن أمام معادلة دقيقة:
الخطر حقيقي… أما الحتمية فليست كذلك.
وهذه الجملة وحدها تكفي لتفصل بين التحليل السياسي والصراخ الإعلامي.
فالحرب العالمية لا تبدأ لأن روسيا زادت قواتها.
ولا تبدأ لأن الناتو رفع جاهزيته.
ولا تبدأ لأن الولايات المتحدة حركت قواتها.
إنما تصبح حربًا عالمية عندما تتجاوز الصراعات حدودها الإقليمية، وتدخل القوى الكبرى في مواجهة مباشرة واسعة لا تستطيع السيطرة على مسارها.
وهذا هو السيناريو الذي يجب على العالم أن يمنعه.
التاريخ لا يحذرنا من الحرب… بل يحذرنا من الغرور
كل حرب كبرى بدأت ذات يوم بأزمة قال أصحابها إنها محدودة.
وبحادث ظن البعض أنه قابل للاحتواء.
وبقرار ظن أصحابه أنهم يملكون عواقبه.
ثم اكتشف الجميع أن النار حين تخرج من الموقد لا تسأل من أشعلها.
وهنا درس التاريخ الأكبر:
ليس أخطر ما في الحرب أن تبدأ، وإنما أن يبدأها الجميع وهم يعتقدون أنهم يستطيعون إيقافها متى شاءوا.
فالصاروخ لا يعرف الدبلوماسية.
والطائرة المسيرة لا تفهم النوايا.
والرصاصة لا تميز بين «رسالة تحذير» و«بداية معركة».
العالم يحتاج إلى عقل بارد وسط هذا الجنون
في عالم تتسابق فيه الجيوش على القوة، يحتاج الإنسان إلى شيء آخر لا يظهر في نشرات الأخبار:
الحكمة.
فالردع ضرورة.
والقوة ضرورة.
وحماية الدول ضرورة.
لكن القوة بلا عقل قد تتحول إلى كارثة.
والردع بلا قنوات اتصال قد يتحول إلى سوء تقدير.
والتهديد المتبادل إذا تجاوز حدوده قد يصنع حربًا لم يكن أحد يريدها.
لهذا فإن أقوى ما يمكن أن يفعله قادة العالم اليوم ليس استعراض العضلات، وإنما إبقاء أبواب الاتصال مفتوحة.
لأن العالم لا يحتاج إلى رجل أقوى يضغط على الزناد.
بل يحتاج إلى رجل أذكى يعرف متى لا يضغط عليه.
الخاتمة: البرميل لا يخاف من النار.. بل من عود الثقاب
ربما لن تقع الحرب العالمية.
وربما تنجح الدبلوماسية في احتواء هذه العواصف.
وربما تهدأ بعض الجبهات كما هدأت أزمات كثيرة من قبل.
لكن التاريخ يعلمنا أن أخطر لحظة ليست حين يصرخ الجميع.
بل حين يصمت الجميع ويعتقد كل طرف أنه يقرأ نيات الآخر.
نحن أمام عالم تتكاثر فيه الأسلحة أسرع من الثقة، وتتسع فيه الجيوش أسرع من مساحات الحوار، وتنتشر فيه المعلومات أسرع من قدرة الإنسان على التحقق منها.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل البشرية ليس:
من الأقوى؟
ولا:
من سيضرب أولًا؟
بل:
من يملك شجاعة التراجع خطوة واحدة قبل أن تتحول الخطوة التالية إلى هاوية؟
فالحرب لا تحتاج إلى مليون عاقل لكي تبدأ.
قد تحتاج إلى أحمق واحد، ومعلومة خاطئة، وقرار متسرع، وصاروخ لا يجد طريق العودة.
وعندها…
لن يكون مهمًا من أشعل عود الثقاب.
لأن العالم كله سيكون قد أصبح نارًا.
العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من صانعي الحروب… وإنما يحتاج إلى صانعي السلام الذين يفهمون أن أعظم انتصار يمكن أن تحققه البشرية ليس أن تنتصر دولة على دولة، وإنما أن تنجو البشرية كلها من حرب لا منتصر فيها.
فوق برميل البارود لا تُقاس شجاعة الرجل بقدرته على إشعال النار… وإنما بحكمته في أن يمنع أحدًا من إشعالها.
العالم يشهد عواصف انتقام فوق برميل البارود حين يصبح الصمت بين الكبار أخطر من صراخ المدافع


