صدقة الدواء.. باب من أبواب الخير لا يراه إلا الله
بقلم: أشرف زيدان
ليست كل الصدقات مالا يوضع في يد محتاج، فهناك صدقة قد تكون سببا في شفاء إنسان، وسببا في أن تعود أم إلى أطفالها، أو أب إلى أسرته، أو طفل إلى حياته من جديد.
ومن أراد أن يعرف أين تذهب صدقته، فليذهب إلى المستشفى.
اذهب إلى المستشفى، وانظر إلى المرضى المحجوزين، وإلى الأطفال الذين لازمهم المرض منذ ولادتهم، أطفال لم يختاروا وجعهم، ولم يملكوا لأنفسهم شيئا سوى الصبر والدعاء. انظر إلى الأب الذي يقف بجوار سرير طفله عاجزا أمام تكاليف العلاج، وإلى الأم التي تموت في اليوم ألف مرة وهي ترى صغيرها يتألم ولا تعرف من أين تأتي بثمن الدواء.
اذهب إلى غرف المرضى، وانظر إلى الأسر التي أنهكتها المصاريف، وإلى أب وأم أصبح المرض بالنسبة إليهما معركة يومية، ليس فقط مع الألم، وإنما مع تكاليف العلاج والأدوية والفحوصات.
اذهب إلى العناية المركزة، وانظر إلى الوجوه التي لا تعرف النوم، وإلى أسرة معلقة بين الدعاء والأمل، وستعرف أن هناك أناسا لا ينقصهم الصبر، ولا الإيمان، وإنما ينقصهم ثمن العلاج.
ومن هنا تأتي قيمة صدقة الدواء.
قد يستطيع الإنسان الاستغناء عن كثير من الأشياء، وقد يؤجل شراء ملابس أو بعض احتياجات الحياة، وقد يدبر طعامه ولو بالقليل، لكن العلاج في كثير من الأحيان لا يحتمل التأجيل، والدواء بالنسبة للمريض ليس رفاهية، وإنما ضرورة.
والأصعب أن كثيرا من المحتاجين لا يبدون كذلك. قد ترى شخصا حسن المظهر، أو أسرة تبدو مستقرة، ولا تعلم أن خلف هذا المظهر ديونا والتزامات ومريضا يحتاج إلى دواء لا يستطيعون شراءه.
لذلك، فإن أجمل صور الصدقة أن تصل إلى المحتاج دون أن تجرح كرامته.
ومن هنا أناشد كل أهل الخير والقادرين، وكل من يبحث عن باب صادق للصدقة، أن يجعلوا للدواء نصيبا من أموالهم، وأن يفكر أصحاب الصيدليات، خاصة الصيدليات الكبرى، في إنشاء رصيد للدواء، يساهم فيه أهل الخير، ويخصص لصرف الأدوية للمرضى غير القادرين، وفق نظام واضح يحفظ حق الجميع ويصون كرامة المحتاج.
أن تدخل صيدلية فتجد رصيدا مخصصا لعلاج غير القادرين، وأن يستطيع المريض الحصول على دوائه دون أن يمد يده لأحد، ودون أن يضطر إلى شرح ظروفه أمام الناس، فهذه ليست مجرد مساعدة، وإنما رحمة وستر وحفظ لكرامة إنسان.
رسالتي إلى القادرين: لا تبحثوا دائما عن المحتاج الذي يطلب، فهناك محتاجون تمنعهم كرامتهم من السؤال.
ورسالة إلى أصحاب الصيدليات: اجعلوا لكم في الخير نصيبا، وافتحوا بابا لصدقة الدواء، فقد تكون علبة دواء خرجت من صيدليتكم سببا في شفاء طفل، أو تخفيف ألم مريض، أو طمأنينة قلب أم، أو عودة أب إلى أسرته.
ورسالتي إلى كل من يريد أن يعرف أين يضع صدقته: اذهب إلى المستشفى، وانظر بنفسك. هناك ستجد وجوها لا تطلب الشفقة، وإنما تحتاج إلى من يمد إليها يد الرحمة.
فالصدقة ليست دائما في إطعام جائع، وإنما قد تكون في علاج مريض، وقد يكون ثمن الدواء عند القادرين مبلغا بسيطا، لكنه عند أسرة فقيرة قد يكون حائلا بين المريض وبين علاجه.
افعل الخير، ولا تنتظر أن يعرف الناس أنك فعلته.
فربما لا يعرف صاحب الصدقة اسم المريض الذي ساعده، وربما لا يلتقي به أبدا، لكن الله يعلم.
وقد تكون علبة دواء دفعتها عن مريض هي العمل الذي يكتب لك عند الله، ودعوة صادقة خرجت من قلب أم لا تعرف حتى اسمك.
صدقة الطعام تسد جوعا، وصدقة الدواء قد تعيد إنسانا إلى الحياة.
فلنجعل في صيدلياتنا أرصدة للرحمة، وفي أموالنا نصيبا للمرضى غير القادرين، ولنجعل الخير يصل إلى مستحقيه في صمت، دون إحراج أو منة.
فهناك مريض ينتظر دواء، وهناك أسرة تنتظر فرجا، وهناك طفل لا ذنب له سوى أنه ولد مريضا.
افتحوا لهم بابا للخير… فهناك ثواب لا يراه إلا الله.
صدقة الدواء.. باب من أبواب الخير لا يراه إلا الله


