عيد العلم.. حين تتكامل الوزارات وتغيب التربية والتعليم
الشراكات الحكومية والمجتمعية تصنع النجاح.. وغياب «التعليم» يفتح باب التساؤل
بقلم: جمعه جلال

حين تجتمع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني حول قيمة واحدة، يصبح النجاح أكبر من قدرة جهة واحدة على صناعته.
وهكذا بدا المشهد في المرحلة الثانية والختامية من احتفالية «عيد العلم»، التي أقيمت يوم السبت الموافق 26 سبتمبر 2026، برحاب مسجد آل الشيخ القاياتي بقرية القايات؛ حيث حضرت مؤسسات وجهات متعددة، في مشهد يؤكد أن الاحتفاء بالعلم ليس شأنًا يخص مؤسسة واحدة، وإنما مسؤولية مشتركة تتقاطع فيها أدوار الدولة والمجتمع.
فقد كان للحضور المؤسسي دلالته؛ من وزارة التضامن الاجتماعي، ووزارة السياحة والآثار، والأزهر الشريف، ومجمع البحوث الإسلامية، ووزارة الإعلام، إلى جانب عدد من القيادات والمسؤولين والشخصيات العامة، فضلًا عن الجهات المنظمة والشركاء من المجتمع المدني.
وهذه الصورة في حد ذاتها تحمل رسالة مهمة:
حين تتكامل المؤسسات، يصبح الاحتفاء بالعلم مشروعًا مجتمعيًا، لا مجرد احتفال.
الشراكة ليست حضورًا بروتوكوليًا
الشراكات الناجحة لا تُقاس بعدد المسؤولين الذين يجلسون على منصة، وإنما بما تعكسه من إيمان مشترك بأهمية القضية.
وعندما تلتقي مؤسسة دينية مع جهة إعلامية، ووزارة مع مؤسسة مجتمع مدني، وجهة معنية بالآثار مع مؤسسة تعليمية أو مجتمعية، فإن كل طرف يضيف إلى المناسبة زاوية مختلفة.
الأزهر يقدم رسالته العلمية والدينية.
ومجمع البحوث الإسلامية يحمل رسالته الدعوية والفكرية.
ووزارة الإعلام تضيف قوة الاتصال ونقل الرسالة إلى الجمهور.
ووزارة التضامن تمثل أحد أوجه العمل الاجتماعي.
والجهات المعنية بالآثار والثقافة تضيف إلى المكان والمناسبة بُعدهما التاريخي والحضاري.
أما المجتمع المدني، فيقدم مساحة المبادرة والتنظيم والتواصل المباشر مع الناس.
ومن هنا تصبح الشراكة الحقيقية توزيعًا للأدوار من أجل هدف واحد.
حضور الوزارات.. رسالة ثقة في الفكرة
إن حضور ممثلي عدد من الوزارات والجهات الرسمية في المرحلة الختامية من «عيد العلم» لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد مجاملة بروتوكولية.
فالمؤسسات الرسمية عندما تجد وقتًا للمشاركة في مناسبة مجتمعية تحتفي بالمتفوقين والباحثين والمعلمين، فإنها تمنح رسالة معنوية مهمة لأصحاب التكريم ولأسرهم وللمجتمع كله:
العلم محل تقدير، والنجاح يستحق أن تلتقي حوله المؤسسات.
وهذه الرسالة تحديدًا هي التي تجعل الشراكة عنصرًا أساسيًا في استدامة أي مشروع مجتمعي.
ولكن.. أين وزارة التربية والتعليم؟
وهنا تبرز علامة استفهام لا يمكن تجاهلها.

ففي مناسبة عنوانها الأساسي العلم والتعليم والتفوق والمعلم، وفي مرحلة ختامية يُكرَّم فيها أوائل الثانوية العامة والمعلمون الرواد وغيرهم من أصحاب الإنجاز العلمي، كان من الطبيعي أن يكون الحضور التربوي الرسمي حاضرًا بصورة واضحة.
ومن ثم فإن غياب ممثل وزارة التربية والتعليم عن المرحلة الختامية، وفق ما ظهر في الاحتفالية، يثير تساؤلًا مشروعًا:
كيف تغيب الجهة الأكثر التصاقًا بموضوع الاحتفالية عن مناسبة تحتفي بالطلاب والمعلمين والنجاح التعليمي؟
السؤال هنا ليس بحثًا عن لوم شخص بعينه، ولا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جزافي لأحد.
لكنه سؤال مهني مشروع يتعلق بدرجة التنسيق المؤسسي، وبمدى قدرة الأجهزة التعليمية المحلية على التقاط المبادرات المجتمعية التي تخدم التعليم وتدعم المتفوقين والمعلمين.
الغياب لا يكفي وحده للحكم.. لكنه يستحق التفسير
قد تكون هناك أسباب أو ارتباطات أو ظروف حالت دون المشاركة، وقد يكون هناك اعتذار أو تكليف لم يصل إلى منظمي الاحتفالية بالصورة التي تمنوا أن تكون عليها.
ولذلك فإن الإنصاف يقتضي عدم تحويل واقعة الغياب وحدها إلى حكم نهائي على كفاءة منظومة التعليم أو قياداتها.
لكن في المقابل، فإن عدم وضوح أسباب الغياب لا يلغي حق المجتمع في التساؤل.
فالمبادرات الجادة تحتاج إلى مؤسسات تستجيب لها، والتنسيق بين الجهات الحكومية والمجتمع المدني ليس رفاهية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضية مثل التعليم.
ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس: من غاب؟
وإنما:
لماذا غاب؟ وكيف يمكن ألا يتكرر هذا الغياب في مناسبات قادمة؟
«عيد العلم» يحتاج إلى شراكة دائمة
ربما تكون هذه الواقعة فرصة لإعادة التفكير في مفهوم الشراكة نفسه.
فإذا كانت الاحتفالية قد نجحت في جمع الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية والإعلام والتضامن والآثار وعددًا من المؤسسات والشخصيات العامة، فإن الخطوة الأهم في الأعوام المقبلة هي تحويل هذا الحضور المتعدد إلى شراكة أكثر تنظيمًا واستدامة.
شراكة تبدأ قبل الاحتفال، وتستمر بعده.
شراكة لا تقتصر على منصة التكريم، وإنما تمتد إلى اكتشاف المتفوقين، ودعم المواهب، ورعاية الباحثين، وتكريم المعلمين، وفتح مسارات جديدة أمام أصحاب الإنجاز.
وهنا تحديدًا يمكن أن يتحول «عيد العلم» من مناسبة سنوية إلى منصة دائمة للتعاون بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.
التعليم أولى بأن يكون في المقدمة
وفي النهاية، تبقى رسالة واضحة لا تحتاج إلى كثير من الكلمات:
إذا كان «عيد العلم» يحتفي بالطالب، والباحث، والمعلم، والأسرة، فإن وزارة التربية والتعليم ينبغي أن تكون في قلب هذه الشراكة.
ليس لأن حضورها واجب بروتوكولي فحسب، وإنما لأن القضية التي تحتفي بها المناسبة هي في صميم رسالتها.
وقد يكون غيابها هذا العام مجرد ظرف له أسبابه، لكن الأهم أن تتحول علامة الاستفهام إلى فرصة لتطوير التنسيق، بحيث نجد في الأعوام المقبلة وزارة التربية والتعليم في مقدمة المؤسسات المشاركة في احتفالية تُقام أساسًا من أجل أبنائها ومعلميها.
فالتعليم لا يمكن أن يكون متفرجًا على احتفال بالعلم.
والشراكة لا تكتمل إلا عندما يلتقي من يرفعون راية العلم، ومن يحملون مسؤولية التعليم، ومن يصنعون المبادرات المجتمعية حول هدف واحد:
أن يصبح الاحتفاء بالعلم بداية لعمل أكبر، لا نهاية لاحتفال.
عيد العلم.. حين تتكامل الوزارات وتغيب التربية والتعليم

