عيد العلم.. سبع سنوات من صناعة الأمل
بقلم: جمعة جلال

ليست قيمة الاحتفالات بما تملأه من مقاعد، ولا بعدد الصور التي تُلتقط في نهايتها، وإنما بما تتركه في النفوس من أثر، وما تزرعه في عقول الأجيال من معنى.
وهناك مناسبات تنتهي بانتهاء مراسمها، وأخرى تنجح في أن تتحول مع مرور الوقت إلى جزء من ذاكرة المكان ووجدان أهله. ومن هذه التجارب تبرز احتفالية «عيد العلم» في عامها السابع، التي تستضيفها قرية القايات بمركز العدوة بمحافظة المنيا، في رحاب مسجد آل الشيخ القاياتي.
سبع سنوات لم يكن فيها الاحتفاء بالمتفوقين غاية في حد ذاته، بقدر ما كان وسيلة لقول شيء أكبر: إن للعلم أهله، وللنجاح أصحابه، وللمجتمع دور في أن يرى أبناءه وهم يصعدون درجات المستقبل.
ومن هنا جاءت قوة التجربة؛ فهي لم تولد من مؤسسة واحدة، ولم تتوقف على جهد فرد، وإنما قامت على تعاون بين مجموعة التكافل الاجتماعي بالقايات برئاسة الدكتور محمد مخلوف القاياتي، والمنظمة العالمية لخريجي الأزهر الشريف برئاسة الدكتور عباس شومان، ومؤسسة قدرات مصر للشباب والتنمية برئاسة الدكتور يوسف ورداني.
وهذا التعاون في حد ذاته يحمل رسالة تتجاوز المناسبة؛ فالأفكار المجتمعية لا تكبر بالجهد الفردي وحده، وإنما حين تجد مؤسسات وأشخاصًا يؤمنون بها، ويضع كل منهم جزءًا من طاقته في خدمة هدف مشترك.
ولذلك لم يعد «عيد العلم» مجرد يوم لتوزيع شهادات التكريم والدروع، وإنما أصبح مساحة يلتقي فيها التعليم العام والتعليم الأزهري والجامعة والدراسات العليا ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني والشخصيات العامة حول قيمة واحدة هي قيمة العلم.
في هذه المناسبة يلتقي أوائل المدارس، وأوائل الكليات، والحاصلون على الماجستير والدكتوراه، ونماذج من أصحاب العطاء، في مشهد بسيط في شكله، عميق في دلالته.
فالطفل الذي يقف اليوم على منصة التكريم لا يحصل فقط على شهادة أو درع؛ إنه يتلقى رسالة من مجتمعه تقول له: لقد رأينا اجتهادك، ونقدّر ما فعلت، وننتظر منك المزيد.
أما الطالب الذي يشاهد زميله مكرمًا، فقد يرى في تلك اللحظة شيئًا آخر؛ يرى هدفًا يمكن الوصول إليه.
وهنا تبدأ صناعة الأمل.
فقد لا يعرف أحد كم طالبًا قرر أن يجتهد أكثر بعد أن شاهد متفوقًا من أبناء قريته يقف أمام الجميع مكرمًا. وقد لا نعرف كم أسرة أعادت اكتشاف قدرات أبنائها لأنها رأت أن التفوق يجد من يحتفي به. وقد لا نعرف كم طفل احتفظ في ذاكرته بصورة منصة التكريم، ثم عاد إليها بعد سنوات وهو يحمل شهادة جامعية أو درجة علمية أعلى.
لكن هذه هي طبيعة الأثر الحقيقي للمبادرات المجتمعية؛ أنها لا تستطيع دائمًا أن تقيس نتائجها بالأرقام، لأن بعض نتائجها تعيش في المستقبل.
واللافت في «عيد العلم» أن دائرة المشاركة فيه اتسعت لتشمل قطاعات متعددة، من الأزهر والتربية والتعليم والأوقاف والتضامن الاجتماعي والشباب والرياضة والتنمية المحلية والثقافة والإعلام والآثار وغيرها، إلى جانب القيادات والشخصيات العامة.
وهذا الحضور المتنوع يضع أمامنا حقيقة مهمة: بناء الإنسان ليس مسؤولية وزارة وحدها، ولا مؤسسة واحدة، ولا أسرة بمفردها.
إنه مسؤولية مجتمع كامل.
فالمدرسة تفتح الباب، والأسرة تساند، والمعلم يوجه، والمؤسسة ترعى، والمجتمع يشجع، والطالب في النهاية يبذل جهده ويصنع إنجازه.
ومن هنا يكتسب مفهوم التكافل الاجتماعي معنى أوسع؛ فالتكافل ليس فقط أن نمد يد العون لمن يحتاج، وإنما أن نتشارك أيضًا في صناعة الفرص، ورعاية النجاح، وحماية الأمل من الانطفاء.
أن نتكاتف من أجل طالب متفوق، ونمنح نجاحه قيمة، ونقدم له نموذجًا يقول إن المجتمع لا يكتفي بمطالبة أبنائه بالنجاح، وإنما يقف أيضًا إلى جوارهم عندما ينجحون.
وفي القايات، تبدو هذه الفكرة أكثر وضوحًا؛ فالمناسبة تجمع أبناء المكان حول أبنائه، وتحوّل نجاح الفرد إلى فرحة جماعية.
وهنا تتحول القرية من مجرد مكان للاحتفال إلى بيئة تحتفي بالعلم وتمنح المتفوقين مكانتهم.
كما أن «عيد العلم» ينجح في أن يجمع أجيالًا مختلفة تحت سقف واحد؛ طفل يبدأ أولى خطواته، وطالب يقترب من الجامعة، وشاب قطع مراحل متقدمة في التعليم، وباحث حصل على الماجستير أو الدكتوراه.
إنها صورة صغيرة للمسيرة التعليمية كلها.
جيل يبدأ الطريق، وجيل يواصل المسير، وجيل وصل إلى محطة متقدمة، لكنه يظل شاهدًا على أن رحلة العلم لا تتوقف عند شهادة، ولا تنتهي عند منصة.
ومن هنا تأتي أهمية استمرار هذه التجربة للعام السابع.
فالاستمرارية تمنح المبادرة معنى مختلفًا؛ لأنها تؤكد أن تكريم العلم ليس فكرة عابرة، وإنما قيمة يمكن أن تتحول إلى تقليد مجتمعي راسخ.
ومع كل عام جديد، لا تتكرر الحكاية، بل تتجدد.
وجوه جديدة تصعد إلى المنصة، وأسر جديدة تعيش لحظة الفخر، ومعلمون يرون ثمرة جهودهم، وأطفال آخرون يتطلعون إلى اليوم الذي يكونون فيه بين المكرمين.
ولعل هذا هو النجاح الأهم لأي احتفالية من هذا النوع: ألا يكون أثرها محصورًا في يومها، وإنما أن تمتد رسالتها إلى ما بعد اليوم.
أن يخرج الطالب من المناسبة أكثر إيمانًا بقدرته.
وأن تخرج الأسرة أكثر ثقة في أبنائها.
وأن يدرك المجتمع أن رعاية المتفوقين ليست ترفًا، وإنما استثمار في المستقبل.
بعد سبع سنوات، يمكن النظر إلى «عيد العلم» باعتباره تجربة تقول إن صناعة الأمل لا تحتاج دائمًا إلى إمكانات ضخمة، بقدر ما تحتاج إلى إرادة صادقة، وأيدٍ تتعاون، ومؤسسات تؤمن بأن الإنسان هو الاستثمار الأهم.
ومن القايات، لا يبدو المشهد مجرد احتفال بمتفوقين نجحوا بالفعل، وإنما احتفال أيضًا بآخرين لم ينجحوا بعد، لكنهم يشاهدون الطريق أمامهم.
وهؤلاء هم الرهان الحقيقي.
فالدرع الذي يُمنح اليوم لطالب متفوق قد يكون، في عين طفل آخر، وعدًا بمستقبل يستطيع أن يصنعه بنفسه.
والشهادة التي تسلم اليوم قد تصبح ذكرى تدفع صاحبها إلى شهادة أكبر غدًا.
والمنصة التي تقف عليها نخبة من أبناء المركز اليوم قد تكون غدًا موعدًا لجيل جديد تمامًا.
لهذا، فإن «عيد العلم» في عامه السابع لا يحتفي فقط بما تحقق، وإنما يفتح الباب لما يمكن أن يتحقق.
سبع سنوات من التكريم، لكنها في جوهرها سبع سنوات من صناعة الأمل.
ومن القايات تبدأ الرسالة، ومن أبنائها تتجدد الحكاية، ومن تكاتف الأيدي حول العلم يمكن أن يولد جيل يعرف أن النجاح ليس حلمًا بعيدًا، وأن المجتمع الذي يفرح بنجاح أبنائه هو مجتمع يعرف جيدًا كيف يصنع مستقبله.
فحين تتكاتف الأيدي حول العلم، لا نصنع احتفالًا فقط… بل نصنع جيلًا جديدًا.
عيد العلم.. سبع سنوات من صناعة الأمل


