من 2023 إلى 2026.. حين يصبح الحضور والغياب اختبارًا للكفاءة الإدارية
بقلم: جمعة جلال

ليست قيمة التعليم في عدد الكلمات التي تُقال عنه في المؤتمرات، ولا في الشعارات التي تُرفع احتفاءً بالمتفوقين، وإنما تظهر أحيانًا في موقف بسيط: هل يجد المسؤول وقتًا ليكون حاضرًا عندما يُدعى إلى مناسبة تحتفي بالعلم وأهله؟
هذه الفكرة أعاد «عيد العلم» في عامه السابع طرحها من جديد، ليس باعتباره مناسبة لتوزيع الشهادات والدروع فحسب، وإنما باعتباره مساحة يمكن من خلالها قراءة علاقة المؤسسات التعليمية والتنفيذية بالمجتمع، ومدى قدرة المسؤول على تحويل تقديره للعلم إلى حضور ومشاركة وفعل.
من 2023 إلى 2026.. أربع سنوات، ومشهدان يستحقان التأمل.
قبل ثلاثة أعوام، وتحديدًا في عيد العلم لعام 2023، كان الدكتور حمدي مصطفى، وكيل وزارة التربية والتعليم بالمنيا آنذاك، في اجتماع للمجلس التنفيذي، وهو اجتماع له طبيعته وأهميته. ومع ذلك، وبعد انتهاء الاجتماع، حضر إلى رحاب مسجد آل الشيخ القاياتي للمشاركة في عيد العلم، رغم مشقة الطريق وضيق الوقت.
ولم يكن حضوره منفردًا؛ فقد جاء برفقة عدد من القيادات التنفيذية، ومن بينهم الأستاذ ياسر بخيت، وكيل وزارة التضامن الاجتماعي بالمنيا آنذاك، إلى جانب عدد من القيادات والمؤسسات والجهات المعنية.
والأهم أن الحضور لم يكن أمرًا سهلًا في ذلك اليوم؛ فقد كانت هناك محاولات لإعفائه من مشقة الانتقال، بل طُرح عليه أن يكلف من ينوب عنه، لكنه اختار أن يأتي بنفسه.
لماذا تستحق هذه الواقعة أن تُستعاد بعد سنوات؟
لأنها تكشف معنى مهمًا في العمل العام: أن بعض المناسبات لا تكون قيمة حضور المسؤول فيها في عدد الساعات التي يقضيها، وإنما في الرسالة التي يبعثها حضوره.
فحين يأتي وكيل وزارة التربية والتعليم بنفسه إلى مناسبة لتكريم الطلاب والمعلمين والباحثين، فإن وجوده لا يمثل شخصه فقط؛ بل يحمل معه دلالة رمزية بأن المؤسسة التي يمثلها ترى في تكريم أبنائها شأنًا يستحق الحضور.
وهنا نصل إلى عيد العلم 2026.
في المرحلة الختامية هذا العام، كان المشهد مختلفًا؛ فقد حضرت جهات ومؤسسات متعددة للمشاركة في تكريم أبناء مركز العدوة، من الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية والتضامن والآثار والإعلام وغيرها من الجهات المشاركة، بينما لم تحضر مديرية التربية والتعليم في المرحلة الختامية، بحسب ما شهدته المناسبة، ولم يُوفد ممثل عنها.
وهنا لا ينبغي أن يتحول الأمر إلى محاكمة لأشخاص، ولا إلى افتراض أسباب للغياب؛ فربما كانت هناك ارتباطات أو اعتبارات لم تُعلن.
لكن يظل السؤال المهني مشروعًا:
إذا كانت مناسبة «عيد العلم» تتعلق في جوهرها بالطلاب والمعلمين والتعليم، فهل كان يمكن أن تكون مشاركة المؤسسة التعليمية أكثر حضورًا، ولو من خلال تكليف ممثل عنها؟
السؤال هنا ليس عن مقعد شاغر على منصة، وإنما عن ثقافة الإدارة تجاه قيمة المشاركة المجتمعية.
فالمسؤول يستطيع أن يعتذر، ويستطيع أن يوفد من ينوب عنه، ويستطيع أيضًا أن يحضر بنفسه رغم ضيق الوقت. وهذه الخيارات كلها قد تكون مشروعة إداريًا، لكن لكل منها رسالة مختلفة لدى المجتمع.
وهنا تأتي قيمة استعادة نموذج 2023.
لم يكن المطلوب آنذاك من وكيل الوزارة أن يترك عمله أو أن يتجاهل اجتماعًا رسميًا؛ بل إن المفارقة أنه أنهى ارتباطه الرسمي ثم انتقل إلى مناسبة أخرى تتصل مباشرة بالمؤسسة التي يمثلها.
وهذا يفتح بابًا أوسع للنقاش:
كيف نريد من القيادات التعليمية أن تتعامل مع المجتمع؟
هل يظل دور القيادات التعليمية داخل المدارس والمديريات فقط؟ أم أن جزءًا من وظيفتها المجتمعية أن تكون حاضرة في المناسبات التي تحتفي بالطلاب والمعلمين والباحثين، وتبني جسورًا مع الأسر والمجتمع المدني؟
والقصة لا تتوقف عند «عيد العلم».
ففي تجارب الإدارة المحلية المصرية، ظهرت نماذج مختلفة في التعامل مع العاملين في التعليم، ليس فقط في المناسبات الاحتفالية، وإنما داخل المدرسة نفسها.
ومن النماذج التي تستحق التأمل ما ارتبط بفترة تولي اللواء أحمد زكي عابدين مسؤولية محافظة بني سويف. فبحسب ما يُروى عن إحدى جولاته المدرسية، لاحظ أن مظهر مدير إحدى المدارس لم يكن على الصورة التي رآها مناسبة لمدير مؤسسة تعليمية. وكان من الممكن أن تتوقف الواقعة عند حدود اللوم أو اتخاذ إجراء بحق المدير.

لكن ما جرى بعد ذلك حمل دلالة إدارية مختلفة؛ إذ لم يكتفِ المحافظ بالملاحظة، وإنما دعا مديري المدارس إلى اجتماع في اليوم التالي، واستمع إليهم، وتعرف على ما يواجهونه من تحديات ومشكلات في العملية التعليمية، وحاول قدر الإمكان التدخل لمعالجة ما يمكن معالجته من تلك المشكلات.
بل إن فلسفة التعامل لم تتوقف عند الاستماع والحوار؛ فقد ارتبطت الواقعة أيضًا بإجراءات لدعم المعلمين، ومنها توفير بدلتين لكل مدرس، في رسالة مفادها أن الانضباط والمظهر جزء من المسؤولية، لكن تحسين بيئة العمل وتوفير الإمكانات للعاملين جزء آخر من مسؤولية الإدارة.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل عند مقارنتها ببعض مشاهد الإدارة المعاصرة.
ففي سبتمبر 2026، أثارت جولات محافظ القليوبية، الدكتور حسام عبد الفتاح، داخل عدد من المدارس نقاشًا عامًا بسبب طريقة التعامل مع بعض مديري المدارس، وخصوصًا مع مدير مدرسة برقطا الإعدادية، حيث ظهر في مقاطع مصورة حوار حاد بشأن مظهره واستعدادات المدرسة، كما تناولت التغطيات واقعة مواجهة أخرى مع مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير.
وليس المقصود هنا إنكار حق المحافظ أو أي مسؤول في المتابعة والمساءلة؛ فهذا حق أصيل، بل واجب عندما تكون هناك أوجه قصور حقيقية.
لكن السؤال الذي تطرحه المقارنة هو: ما الذي يحدث بعد اكتشاف المشكلة؟
هل تنتهي الجولة بتحديد المقصر وتصوير المخالفة وتوجيه اللوم؟ أم تبدأ منها عملية أخرى: الاستماع إلى مدير المدرسة، وفهم أسباب القصور، ومعرفة ما إذا كان قد طلب الدعم، وتحديد ما تستطيع الإدارة توفيره من إمكانات، ثم محاسبة من يثبت تقصيره بعد ذلك؟
واللافت أن محافظ القليوبية نفسه أوضح لاحقًا أن استبعاد مدير مدرسة برقطا لم يكن بسبب ارتدائه الجلباب، وإنما بسبب ما اعتبره تقاعسًا عن التعامل مع مشكلات المدرسة وعدم طلب الدعم من الجهات المعنية. كما أوضح في واقعة أخرى أنه لم يتخذ إجراءً ضد مديرة مدرسة كفر الجزار بعدما تبين له أنها خاطبت الإدارة التعليمية عدة مرات بشأن مشكلات المدرسة وحاولت الوصول إلى حلول.
وهنا تحديدًا تصبح المقارنة أكثر إنصافًا وأكثر أهمية.
فالمشكلة ليست في أن يحاسب المسؤول مدير المدرسة، ولا في أن يرصد المخالفات، ولا حتى في أن يستخدم أدوات التوثيق الإعلامي في جولاته.
المشكلة الحقيقية التي تستحق النقاش هي: هل تكون الجولة الميدانية مجرد أداة لاكتشاف الخطأ، أم أداة لفهم الواقع وصناعة الحل؟
فالإدارة التي تنزل إلى المدرسة لكي ترى فقط ما هو ناقص، تختلف في فلسفتها عن إدارة تنزل لترى ما هو ناقص، ثم تسأل: لماذا هو ناقص؟ ومن المسؤول؟ وما الذي يحتاجه مدير المدرسة؟ وما الذي تستطيع المحافظة أو المديرية أن توفره؟
وهنا يظهر معنى آخر للكفاءة الإدارية.
فالكفاءة ليست فقط في اكتشاف الخطأ، وإنما في القدرة على التمييز بين المقصر الذي يحتاج إلى محاسبة، والمسؤول الذي يحتاج إلى دعم، والمشكلة التي تحتاج إلى قرار، والمعلم الذي يحتاج إلى تقدير.
وهذا لا يعني إطلاقًا أن مدير المدرسة فوق المساءلة، أو أن المعلم فوق التقييم؛ بل يعني أن المساءلة نفسها ينبغي أن تكون جزءًا من منظومة أوسع، عنوانها: المحاسبة مع الدعم، والانضباط مع التقدير، والمتابعة مع فهم الواقع.
ومن هنا يصبح استدعاء نموذج أحمد زكي عابدين مهمًا؛ ليس باعتباره نموذجًا يجب تكراره حرفيًا، ولا باعتباره حكمًا نهائيًا على تجربة إدارية كاملة، وإنما باعتباره مثالًا على أن المسؤول يستطيع أن يرى الملاحظة في المدرسة، ثم ينتقل من الملاحظة إلى الحوار، ومن الحوار إلى فهم التحديات، ومن فهم التحديات إلى محاولة تقديم حلول.
وفي المقابل، تكشف مشاهد القليوبية أن الجولات الميدانية، عندما تُلتقط بالكاميرات وتتحول إلى مشاهد عامة، يمكن أن تفتح نقاشًا آخر حول الحدود الفاصلة بين المحاسبة الإدارية والتعامل الإنساني مع القيادات التعليمية. وقد نقلت تقارير صحفية انتقادات لهذا الأسلوب، بينما أكد المحافظ من جانبه أن هدف الجولات هو رصد المشكلات ومحاسبة المقصرين ودعم من يبادر إلى حلها.
وهنا لا يصبح السؤال: من المسؤول الأفضل؟
فالمقارنة بين الأشخاص ليست هي الهدف.
السؤال الأهم هو: أي فلسفة إدارية نريدها في مدارسنا؟
فهل نريد مسؤولًا يخشى مدير المدرسة من مجرد رؤيته، أم نريد مسؤولًا يعرف مدير المدرسة أنه سيحاسبه إذا أخطأ، لكنه في الوقت نفسه سيستمع إليه إذا واجه مشكلة، وسيساعده إذا طلب الدعم، وسيقدّر جهده إذا أحسن؟
وهنا تحديدًا يمكن أن يتحول «عيد العلم» من مناسبة محلية إلى سؤال وطني أوسع:
كيف نصنع بيئة إدارية تقول للطالب: إن تفوقك مهم؟ وللمعلم: إن إخلاصك مقدَّر؟ وللمدير: إن أداءك محل متابعة، لكن جهدك محل تقدير أيضًا؟
فالتعليم لا يُبنى باللوائح وحدها، ولا بالمتابعة وحدها، ولا بالتكريم وحده.
إنه يحتاج إلى منظومة متوازنة تجمع بين المحاسبة والتقدير، والانضباط والدعم، والمتابعة والحضور، والسلطة والمسؤولية المجتمعية.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه «عيد العلم» بعد عامه السابع ليس فقط أسماء المكرمين، وإنما هذه الرسالة الأوسع:
أن حضور المسؤول في المكان الذي يُحتفى فيه بالعلم ليس مجاملة، وأن تكريم المعلم ليس احتفالًا عابرًا، وأن تقدير الطالب المتفوق ليس صورة تذكارية؛ فكلها إشارات تقول للمجتمع: إن العلم قضية عامة، وإن من يتولى مسؤولية التعليم ينبغي أن يكون أول من يشعر بهذه القضية وأول من يشارك في الاحتفاء بأهلها.
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأهم:
«من حضر ومن غاب؟»
بل السؤال الأعمق:
ماذا يقول حضور المسؤول أو غيابه، وطريقة تعامله مع العاملين في التعليم، عن المكانة التي يحتلها التعليم في أولويات العمل الإداري؟
من 2023 إلى 2026.. حين يصبح الحضور والغياب اختبارًا للكفاءة الإدارية

