هم لا يعاقبوننا بالموت معهم بل يعاقبوننا بالحياة دونهم
بقلم : عماد نويجي
هم حين يموتون لا يعاقبوننا بالموت معهم
كان يمكن للموت ان يكون رحيما لو انه اخذنا معهم في اللحظة ذاتها لو انه اغلق ابواب الذاكرة ووضع حدا لهذا النزيف الصامت الذي لا يراه احد
لكنهم يرحلون ويتركوننا هنا
يتركون خلفهم كرسيا فارغا وصوتا لا يعود وبابا اعتدنا ان ننتظر خلفه خطوات لن تأتي ووجها نحفظ تفاصيله اكثر مما نحفظ ملامحنا
يرحلون ولا يعرفون ان غيابهم لا ينتهي عند لحظة الدفن
فالموت ينتهي عندهم في اللحظة التي يتوقف فيها القلب
اما عندنا فيبدأ بعد ذلك
نحن الذين نبقى نحملهم في تفاصيل ايامنا دون ان يروها
نستيقظ فنبحث عنهم في اول الصباح
نسمع كلمة كانت تشبههم فنلتفت بلا وعي
نمر من مكان جمعنا بهم فنشعر ان الزمن قد خاننا وان الاشياء ما زالت تعرفهم بينما نحن وحدنا الذين نحاول اقناع انفسنا انهم لم يعودوا هنا
نضحك احيانا ثم نتذكر ان هناك من كان يجب ان يشاركنا هذه الضحكة
ونبكي احيانا لا لاننا ضعفاء ولكن لان القلب حين يفقد من احب لا يتعلم النسيان بل يتعلم كيف يخفي وجعه
هم لا يعاقبوننا بالموت معهم
بل يعاقبوننا بالحياة دونهم
وهذه اقسى صور الغياب
ان تستمر الحياة بصورة طبيعية بينما شيء عظيم في داخلك لم يعد طبيعيا
ان تذهب الى عملك وتأكل وتشرب وتتكلم وتصافح الناس وتبتسم لهم ثم تعود الى وحدتك لتكتشف ان كل هذا لم يكن سوى محاولة طويلة للهروب من حقيقة واحدة
انك تفتقد انسانا لن يعود
يمر الوقت ويقولون لنا ان الايام تشفي
لكن بعض الغياب لا تشفيه الايام
هي فقط تعلمنا كيف نحمله
نتعلم ان نعيش بالندبة بدل الجرح
ان نتحدث عن الراحل دون ان تنكسر اصواتنا
ان نذكر اسمه دون ان تفضحنا عيوننا
لكننا في الحقيقة لا نتعافى تماما
نحن فقط نصبح اكثر مهارة في اخفاء ما يؤلمنا
والمؤلم اكثر ان الحياة لا تتوقف احتراما للحزن
الشمس تشرق في موعدها
الناس يذهبون الى اعمالهم
الاسواق تمتلئ
الاطفال يركضون
والعالم يمضي كأن شيئا لم يحدث
بينما هناك قلب واحد على الاقل يشعر ان العالم كله توقف عند لحظة رحيلهم
وهنا تكمن قسوة الفقد
ان يموت شخص فيتغير معنى اشياء كثيرة بعده
البيت يصبح اقل دفئا
الطريق يصبح اطول
المناسبات تصبح ناقصة
والايام التي كانت عادية تصبح فجأة محملة بذكريات لا ترحم
حتى الدعاء لهم يصبح نوعا من اللقاء
نرفع ايدينا الى السماء لاننا لم نعد نملك طريقا اخر للوصول اليهم
نقول اللهم ارحمهم
اللهم اجعل قبورهم نورا
اللهم اجمعنا بهم في مكان لا فراق فيه
ثم نعود الى حياتنا
تلك الحياة التي تركونا وحدنا في مواجهتها
وربما لم تكن العقوبة في رحيلهم
ربما كانت العقوبة الحقيقية ان نعيش بعدهم ونحن نعرف تماما ان بعض الاشخاص لا يمكن تعويضهم
هناك غياب لا يملأه احد
وهناك مقعد يبقى فارغا مهما جلس عليه الآخرون
وهناك اسم حين يمر في الذاكرة لا يشبه اي اسم آخر
لذلك لا تخبروا من فقد عزيزا ان الوقت سينسيه
فالنسيان ليس دائما شفاء
بعض الذين نحبهم لا نريد ان ننساهم اصلا
نحن فقط نتمنى ان يصبح تذكرهم اقل وجع
نريد ان نتذكرهم بابتسامة بدل ان نتذكرهم بانهيار
نريد ان نحكي عنهم دون ان نشعر ان شيئا في صدورنا يتمزق
نريد ان نحتفظ بهم في الذاكرة كما كانوا
لا كقبور وصور قديمة واسماء في الماضي
بل كجزء حي من ارواحنا
فهم حين يموتون لا يأخذون حياتنا معهم
لكنهم يأخذون جزءا منها
جزءا لا يعود
ويتركون لنا بقية العمر
نمضي به
نعيش فيه
نضحك خلاله
وننجح ونخسر ونحب ونكبر
لكن في مكان عميق لا يصل اليه احد
تبقى هناك غرفة مغلقة
يسكنها الغائبون
ولا يملك مفتاحها سوى القلب
وحين نسأل انفسنا يوما لماذا تغيرنا بعد رحيلهم
تأتي الاجابة بلا تردد
لان بعض الناس حين يرحلون لا يتركون فراغا في حياتنا
بل يتركون حياة كاملة كان يجب ان نعيشها معهم
وهذا هو العقاب الحقيقي
ان تستمر الحياة
بينما الشخص الذي كان يجعلها تستحق ان تعاش لم يعد فيها
هم لا يعاقبوننا بالموت معهم بل يعاقبوننا بالحياة دونهم


