ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
————————————————-
بقلم / أشرف زيدان
هناك رجال كانت لهم في يوم من الأيام مكانة اجتماعية ومادية يعرفها القريب والبعيد، عاشوا مستورين، وأنفقوا على بيوتهم دون أن يسألوا أحدا، وربما كانوا هم الذين يقفون إلى جوار غيرهم وقت الشدة. ثم دارت الأيام، وتبدلت الأحوال، وجاء المرض، أو انقطع العمل، أو فقد الرجل مصدر دخله، أو تعرض لظرف مادي قاس قلب حياته رأسا على عقب.
ومع ذلك ظل واقفا في مكانه، محافظا على كرامته، لا يمد يده، ولا يطلب سلفا، ولا يذهب إلى أحد يشكو حاله.
قال تعالى: “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”.
هؤلاء الناس تربوا على عزة النفس. اعتادوا أن يعطوا لا أن يأخذوا، وأن يقفوا بجوار الآخرين لا أن ينتظروا من يقف بجوارهم. ولذلك قد تقابله اليوم مرتديا ملابس أنيقة، فتظن أن حاله على ما يرام، بينما قد يكون في بيته أولاد ينتظرون قوت يومهم، وربما يمر رب الأسرة بأيام لا يعرف فيها كيف سيدبر احتياجات الغد.
أنا هنا لا أتحدث عن شخص بعينه، وإنما أتحدث عن فئة موجودة بيننا، نراها ونعيش معها ونعرف أسماءها، لكنها لا تتحدث عن نفسها.
وهنا يأتي دورنا.
ليس المطلوب أن ننتظر حتى يطلب المحتاج، لأن بعض الناس لن يطلب مهما بلغت حاجته. المطلوب أن نسأل عنهم، وأن نعرف ظروفهم، وأن نتابع أحوالهم من بعيد دون أن نجرح كرامتهم أو نشعرهم بأنهم أصبحوا موضع شفقة.
الأصدقاء عليهم مسؤولية، والأقارب عليهم مسؤولية أكبر، والجيران وأهل الخير عليهم مسؤولية كذلك. ومن يعرف رجلا تبدلت ظروفه بعد أن كان ميسور الحال، فعليه ألا يتركه وحيدا في مواجهة الأيام.
ولماذا لا نفكر في إنشاء جمعية أو مبادرة أهلية تهتم بهذه الفئة تحديدا؟ رجال ونساء كانوا مستورين، ثم عصفت بهم الظروف، ولا يستطيعون السؤال. تكون مهمتها الوصول إليهم في هدوء، ومعرفة احتياجاتهم، وتقديم المساعدة لهم بطريقة تحفظ لهم كرامتهم، لا بطريقة تجعلهم يشعرون بأنهم فقدوا مكانتهم التي عاشوا بها سنوات طويلة.
المساعدة الحقيقية ليست فقط في أن تعطي إنسانا مالا أمام الناس، وإنما أن تصل إليه دون أن تكسر في داخله شيئا.
ابحثوا عن هؤلاء.
اسألوا عن الرجل الذي كان ينفق على غيره وأصبح عاجزا عن توفير احتياجات بيته. اقتربوا من الأسرة التي كانت تعيش في ستر ثم تغيرت أحوالها. انتبهوا إلى من غاب عن المناسبات بعدما كان حاضرا فيها، وإلى من تغيرت عاداته وأصبح يعتذر عن أشياء كان يفعلها بسهولة من قبل.
فالفقر أحيانا لا يظهر في الملابس، ولا في شكل البيت، ولا في الكلمات.
وأصعب أنواع الحاجة هي تلك التي يسكنها إنسان عزيز النفس، ينام مهموما ولا يستطيع أن يقول: “أنا محتاج”.
هؤلاء لا يحتاجون منا إلى نظرة شفقة، وإنما يحتاجون إلى موقف يليق بكرامتهم.
ودوام الحال من المحال، ومن يدري؟ قد تتبدل أحوالنا يوما، ونجد أنفسنا في مكان هؤلاء الذين نمر بجوارهم دون أن نعرف ما يحملونه داخل بيوتهم وقلوبهم.
فلنبحث عن المتعففين قبل أن يبحثوا عنا، ولنمد إليهم أيدينا قبل أن تضطرهم الأيام إلى مد أيديهم لغيرنا.
فأجمل العطاء هو أن تعطي إنسانا محتاجا، وتترك له في الوقت نفسه شيئا أثمن من المال: كرامته.
عرض أقل

