كتبت: زينب كاظم
سيكون هذا المقال صرخة وجع الحيوانات المفترسة وسنتحدث بلسان حالها فماذا يحدث حين تتحول الحرية إلى تهمة؟.
ليست كل الأصوات مسموعة، فبعضها يُخنق خلف قضبانٍ باردة، وبعضها لا يجد لسانًا ليحكي، لكنه يصرخ في أعماقنا إن كنا نملك قلبًا يُصغي. هناك، خلف أقفاص ضيقة، تقف كائنات لم تُخلق لتُحبس، ولم تُخلق لتكون وسيلة تسلية، بل خُلقت لتكون حرة، تجري، تصطاد، وتعيش وفق فطرتها التي أودعها الله فيها.
الحيوانات المفترسة، تلك التي يُراد لها أن تبدو مرعبة، هي في حقيقتها مظلومة. فالأسد، الذي يرمز للقوة والهيبة، ليس مجرد جسد يُعرض في حديقة حيوان، بل روحٌ خُلقت للاتساع، للغابات، للسيادة على أرضه، لا للوقوف خلف قضبان يراقبه الناس وكأنه مشهد عابر في يوم ممل. يشبه الأسد الإنسان الحر؛ ذاك الذي لا يقبل القيد، فإذا قُيّد، ثار، وإذا ظُلم، ازداد شراسة، لا لأنه وحشي، بل لأنه سُلب حقه الطبيعي في أن يكون كما خُلق.
وهكذا النمور والفهود، ليست آلات قتل كما يُصوّرها البعض، بل كائنات دقيقة الإحساس، لها حدودها، لا تعتدي إلا إذا اعتُدي عليها، ولا تهاجم إلا حين يُنتهك عالمها. لكن الإنسان، بفضوله المؤذي، يقتحم تلك الحدود، ثم يتفاجأ بردة الفعل، فيُحمّل الضحية ذنب الدفاع عن نفسها.
أما الذئاب، تلك التي طالها ظلم الصورة أكثر من غيرها، فهي من أنبل المخلوقات في نظامها الاجتماعي؛ عائلة مترابطة، أم ترعى، وأب يسعى، وصغار ينشؤون في ظل نظام لا يعرف الفوضى. ليست كما يُشاع عنها، بل أقرب في سلوكها إلى الإنسان السوي من كثير من البشر أنفسهم.
وهنا تظهر مفارقة مؤلمة، حين يقارن البعض بين الأسد والذئب بطريقة انتقائية مشوهة، فيُجيز استعباد أحدهما ويستنكر الآخر، وكأن الألم يُقاس بالاسم لا بالمعاناة فمن قال إن الأسد يُخلق للسيرك والذئب لا؟ ومن قرر أن هذا يُروَّض وذاك يُترك؟ إنها مقارنة جائرة، لا تمت للعدل بصلة، فكلها كائنات حرة، لكل منها طبيعته، ولكل منها حقه في أن يعيش كما خُلق، لا كما يشتهي الإنسان. إن التفريق بينها بهذا الشكل ليس إلا امتدادًا لنظرة بشرية قاصرة ترى الكائنات بميزان المنفعة لا بميزان الحق.
كل هذه الكائنات، مكانها الطبيعي هو الغابات، السهول، الكهوف، حيث الهواء حر، والحياة تسير بتوازنها الذي لم يختل إلا حين تدخل الإنسان. أما أن تُنقل إلى السيرك، وتُجبر على أداء حركات لا تمت لطبيعتها بصلة، أو تُحبس في أقفاص للفرجة، فذلك انتهاك صريح لفطرتها، وإن قُدّم لها الطعام والعناية. فالحرية ليست رفاهية، بل حق أصيل لا يعوضه لحمٌ يُلقى أو ماءٌ يُسكب.
والأشد إيلامًا، ليس الحبس وحده، بل ذلك الظلم الذي يُغلف باسم (البطولة) حين يقتل النمر إنسانًا، يُوصف بالمتوحش، وحين يقتل الإنسان نمرًا، يُحتفى به كصياد ماهر. أي ميزان هذا؟ وأي عدالة تُكافئ القاتل وتدين من دافع عن وجوده؟ ربما لأن النمر لا يكتب، لا يوثق، لا يملك منبرًا، فصوته يُدفن معه، وتُروى القصة من طرفٍ واحد ،وهناك مقولة قرأتها عندما كنت صغيرة أثارت المي وحركت شيئا في داخلي وهي (عندما يقتل النمر إنسانا تسمى وحشية وعندما يقتل الإنسان نمرا يسمونها بطولة ويطلقون عليه لقب الصياد الماهر ،لأن النمر لا يعرف الكتابة ليوثق بطولاته) .
ثم يأتي نوع آخر من القسوة، أكثر برودة ووحشية؛ قلع الأنياب، نزع الفرو، القتل لأجل الزينة أو التفاخر. وكأن الألم لا يُحسب إن كان في جسد حيوان، وكأن الحياة تفقد قيمتها إن لم تكن بشرية.
الحقيقة التي يغفلها الكثيرون أن هذه الكائنات لا تؤذي لغاية الأذى، لا تقتل عبثًا، ولا تعتدي بدافع الشر. هي تأكل حين تجوع، وتدافع حين تُهدد، وتعيش وفق قانون بسيط لا يعرف النفاق. بينما الإنسان، حين ينحرف، يؤذي بدافع الفضول، أو التسلية، أو حتى الفراغ.
إنها ليست مجرد حيوانات… إنها أممٌ مثلنا، فيها الآباء والأمهات، فيها الخوف، والحنان، والانتماء. وربما من نقتله اليوم، له صغار ينتظرونه، كما ينتظر أطفالنا عودتنا.
فإلى أين يمضي هذا الإنسان، وهو يدمّر كل ما حوله، ويبرر قسوته بمسميات براقة؟
وأي حضارة هذه التي تُقاس بقدرتها على ترويض الوحش، لا على احترامه؟
إن كانت هناك صرخة يجب أن تُسمع، فهي ليست صرخة الأسد في القفص، بل صرخة الضمير فينا… إن بقي حيًا.


