أفكار بصوت مرتفع
زينب كاظم
الهجرة النبوية المباركة في ربيع الأول
قراءة توثيقية في المصادر والفضائل
يشيع بين كثير من المسلمين الاعتقاد بأن الهجرة النبوية المباركة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وقعت في الأول من شهر محرم، وذلك بسبب ارتباط بداية التقويم الهجري بهذا الشهر. إلا أن المراجعة العلمية للروايات التاريخية والمصادر الإسلامية المعتبرة تكشف أن الهجرة الفعلية وقعت في شهر ربيع الأول، وأن الربط بينها وبين محرم إنما يتعلق ببداية العدّ الزمني للسنة الهجرية لا بتاريخ وقوع الحدث نفسه.
وتتضافر الروايات التاريخية والحديثية في بيان أن خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة المكرمة كان في ليلة الأول من شهر ربيع الأول، وهي الليلة الخالدة التي عُرفت بـ(ليلة المبيت)، حين نام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في فراش النبي مفدياً له بنفسه، ومضحياً بحياته في سبيل حماية الرسالة وإتمام الهجرة المباركة.
وقد روى الشيخ الطوسي في كتاب (مصباح المتهجد) أن الهجرة النبوية بدأت في الليلة الأولى من ربيع الأول، وفيها جرت حادثة المبيت العظيمة التي خلدها القرآن الكريم بقوله تعالى(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) كما تؤكد الروايات الواردة في (الكافي) أن رحلة الهجرة استغرقت عدة أيام شملت المكوث في الغار والسير نحو المدينة حتى الوصول إليها في ربيع الأول.
ولم يقتصر إثبات هذا التاريخ على الروايات الحديثية فحسب، بل أكده كبار علماء الإمامية ومؤرخيهم. فقد ذكر الشيخ المفيد في كتاب (مسار الشيعة) أن اليوم الأول من ربيع الأول شهد خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مهاجراً من مكة، ومبيت أمير المؤمنين (عليه السلام) على فراشه. كما تتبع العلامة المجلسي في (بحار الأنوار) تفاصيل الرحلة، مبيناً أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكث في غار ثور ثلاثة أيام ثم واصل طريقه حتى وصل إلى قباء في الثاني عشر من ربيع الأول.
ويؤيد هذا المسار التاريخي ما أورده ابن شهر آشوب في (مناقب آل أبي طالب)، حيث تناول أحداث ليلة المبيت وما ارتبط بها من مواقف البطولة والإيثار التي جسدها أمير المؤمنين (عليه السلام) في سبيل حفظ الرسالة الإسلامية.
أما سبب شيوع الربط بين الهجرة ومحرم، فيعود إلى طبيعة التقويم الهجري نفسه. فعندما اعتمد المسلمون الهجرة النبوية مبدأً للتأريخ، جعلوا شهر محرم بداية للسنة الهجرية الجديدة، لكونه أول الأشهر العربية بعد انتهاء موسم الحج. ومن هنا أصبح العام يُحسب ابتداءً من محرم، رغم أن وقائع الهجرة نفسها جرت في شهر ربيع الأول.
وعليه، فإن الدقة التاريخية تقتضي التمييز بين (بداية السنة الهجرية)بوصفها تنظيماً زمنياً وتقويمياً، وبين (الهجرة النبوية) بوصفها حدثاً تاريخياً وقع فعلياً في ربيع الأول، حاملاً معه أعظم معاني التضحية والفداء والتوكل على الله تعالى، ومؤسساً لمرحلة جديدة في تاريخ الإسلام والمسلمين.
#أفكار_بصوت_مرتفع #زينب_كاظم #الهجرة_النبوية #ربيع_الأول #ليلة_المبيت #التاريخ_الإسلامي
أفكار بصوت مرتفع


