بقلم / محمـــد الدكـــروري
روي عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فما تأمرني؟ قال ” أهلي بالحج، وإشترطي أن محلي حيث تحبسني” قال فأدركت” رواه مسلم والنسائي وابن ماجة، وعن موسى بن نافع قال قدمت مكة متمتعا بعمرة قبل التروية بأربعة أيام، فقال الناس تصير حجتك الآن مكية، فدخلت على عطاء بن أبي رباح فإستفتيته، فقال عطاء حدثني جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، أنه حجّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ساق الهدي معه، وقد أهلوا بالحج مفردا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أحلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصّروا وأقيموا حلالا، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة” قالوا كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟
قال ” افعلوا ما آمركم به، فإني لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به، ولكن لا يحلّ مني حرام حتى يبلغ الهدي محله، ففعلوا ” رواه مسلم والبخارى، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المُحرم من الثياب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا تلبسوا القمُص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد النعلين فليبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس” رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ” خمس فواسق يُقتلن في الحِل والحرم، الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحُديّا ” أى الحديا أو الحدأة، رواه مسلم والنسائي وابن ماجة، وعن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت.
” طيّبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يطوف بالبيت” رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام” ويعني أيام العشر، قالوا يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل؟ قال ” ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء” رواه البخارى، وقد تكلم أهل العلم من المفسرين وغير المفسرين أن الله عز وجل جعل العلة من تأذين الخليل إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج أن يشهدوا منافع لهم، وقالوا اللام هنا لام التعليل، أى من أجل أن يشهدوا منافع لهم، وقالوا أيضا منافع هنا نكرت ولم تعرف ولم تضف إضافة تخصيص وذاك لتكون مطلقة فتكون عامة في أنواع المنافع، فكل منفعة جعلها الله عز وجل منفعة في الحج فإنها مقصودة.
ولهذا إختلف المفسرون في رؤية هذه المنافع، وإختلافهم من باب إختلاف التنوع فقالت طائفة منهم إن المنافع في قوله تعالى ” ليشهدوا منافع لهم” وأنها التجارة، وذلك منهم نظر إلى قول الله عز وجل في سورة البقرة ” ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم” وقال آخرون بل المنافع هي أن يأكلوا من اللحوم وأن يدّخروها وأن يتمونوها لأن الله عز وجل قال في سورة الحج ” والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف” وقالت طائفة المنافع هنا هي العفو والمغفرة والخروج عند الحج من الذنوب كما ولدت الإنسان أمه، وذلك لقول الله جل وعلا فى سورة البقرة ” فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى” وما دلت عليه الأحاديث الصحيحة في ذلك منها ما خرجه البخارى ومسلم في صحيحهما من حديث عبدالرحمن بن صخر رضي الله عنه أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال.
” تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد” وقال أيضا صلى الله عليه وسلم ” العمرة إلى العمرة مكفرات لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة” وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه” فمعنى ذلك أن الحاج إذا حج فاتقى فلم يرفث ولم يفسق رجع بأعظم المنافع وهي أنه يرجع خاليا من الذنوب، ولاشك أن هذا شهود منفعة عظيمة، ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم في قول الله جل وعلا فى سورة البقرة ” فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى” يعني أن الحاج سواء تعجل أو لم يتعجل فتأخر فإنه يرجع من حجه ولا إثم عليه بشرط أن يكون متقيا، لهذا قال بعدها ” لمن اتقى” فقوله لمن اتقى يرجع إلى نفي الإثم في الموضعين، وليس راجعا إلى نفي الإثم فيما إذا تأخر يعني أن الحاج ينتفع أعظم الإنتفاع.
بأنه يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه وهذه منفعة عظيمة، وهذا كله صحيح، وأيضا مما قيل في تفسير الآية الكريمة أن المنافع أن يشهد الحجاج الكعبة وأن شهدوا الطواف والسعي ورمي الجماع وذكر الله جل وعلا، فيقيمهم ذلك الشهود على توحيد الله جل جلاله لأنهم يرون الكعبة ويتذكرون الخليل إبراهيم عليه السلام الذي بناها، فيتذكرون بذلك حق الله جل وعلا الذي هو توحيده سبحانه وخلع الأنداد والبراءة من الشرك وأهله.

