بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا عباد الله أنه واجب على كل مسلم أن يتعلم العلم الشرعي الذي يقوم به دينه ثم يبلغه بعد ذلك، حيث قال تعالى كما جاء في سورة محمد ” فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ” وعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” ألا أخبركم عن النفر الثلاثة ؟ أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه ” رواه البخاري ومسلم، وفي هذا الحديث فضيلة طلب العلم والجلوس لتحصيله واستماعه، وفي الحديث صفات لله تعالى.
كالاستحياء والإعراض والواجب أن تمر هذه الصفات كما هي دون تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تحريف ولا يجوز تأويلها بغير معناها الظاهر من لوازمها وغير ذلك، بل الواجب إثبات صفات الله عز وجل كما هي، فإن الله يوصف بالحياء الذي يليق به سبحانه ولا يشابهه فيه خلقه كسائر صفاته سبحانه، فهو سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهذا قول أهل السنة في جميع صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة وهو طريق النجاة، فتنبه أيها المسلم واحذر، وقد ورد في فضل الجلوس لحلقات العلم وطلبه نصوص كثيرة، فقال الإمام الشافعي رحمه الله ” طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة ” وقال الإمام الزهري رحمه الله ” ما عُبد الله بمثل الفقه ” وقال الإمام مطرف رحمه الله ” فضل العلم أعجب إلي من فضل العبادة ” وقال عون بن عبد الله حدثت عمر بن عبد العزيز أن كان يقال ” إن استطعت فكن عالما
فإن لم تستطع فكن متعلما وإن لم تستطع فأحبهم وإن لم تستطع فلا تبغضهم ” فقال عمر بن عبد العزيز لقد جعل الله عز وجل له مخرجا إن قبل ” أي وافق علي ذلك، وإن رسول الله صلي الله عليه وسلم جاء ليقيم الملة العوجاء، وينشر شريعة الإسلام السمحاء لتكون هي الحاكمة لأهل الأرض، فلا قانون ولا دستور ولا عرف ولا رأي يقدم على شريعة السماء التي جاء بها سيد الأنبياء، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحبس سيلان الدم الحرام، ويحفظ الأعراض والأموال والعقول من خمور الشبهات وخمور الشهوات، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس ليعرفهم حقوق بعضهم على بعض حق الراعي، وحق الرعية، وحق الوالدين، وحق الجيران والأقارب، بل وحق الكفار علينا، فإن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرسة عملية لكل الأجيال، ومنهل عذب لصلاح الدين والدنيا والآخرة، وإن حياته صلى الله عليه وسلم.
هي الحياة السعيدة لمن يريد الحياة السعيدة بجميع صورها وجوانبها وهي درس نافع للأرواح والأبدان والنفوس والعقول والقلوب، وهي درس مفيد للحاكم العادل، والعالم العامل وللمربي الناجح، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعبد الناس لربه وأتقاهم، وأشجعهم وأحلمهم، وأكثرهم تواضعا، وأحرص الناس على جمع كلمة المسلمين ولم شعثهم وتوحيد صفهم، ولقد كان الظلام في ذلك الوقت يخيم في كل مكان، والضلال يضرب أطنابه في كل جهة، والجهل هو الحاكم الذي يأمر وينهى فيطاع، وفي تلك الأحوال القاتمة لا يرى الرائي إلا أصناما قائمة، وجباها بين يديها ساجدة، وأيادي إليها ممتدة، وقلوبا فيها راغبة وراهبة، فقد عاش الكون آنذاك في شك وحيرة، وعمى وتخبط، لم يرى نور يد تنتشله من عمهه ولياليه المدلهمة، حتى أذن الله بسطوع صباح أضاء الخافقين، فجاء إلى الثقلين، فملاء الوجود صفاء ونقاء، وكسا الأرض بهاء وسناء.
فتبسمت الأرجاء بانبلاج هذا الفجر الصادق، وتوالت بشرى الهواتف أن قد ولد المصطفى وعم الهناء، ولد الهدى فالكائنات ضياء، وفم الزمان تبسم وثناء، وتعطر الكون الفسيح بنوره، وتوالت الأنوار والأنداء، فإن الله تعالى أكرم آخر الأمم بإرسال خير الأنبياء والمرسلين إليها ليكون شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فأخرج الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من خير بقاع الأرض كلها، وجاء به من أشرف نسب في العرب ممتدا إلى نبي الله إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، فهو خيار من خيار من خيار.

