الرئيسية » الإنذار المفقود
مقالات

الإنذار المفقود

كتب رياض الفرطوسي

في مسرحية (عدوّ الشعب) للنرويجي هنريك إبسن، يكتشف طبيب شاب أن مياه المنتجع الذي تعيش عليه بلدته ملوّثة. يذهب إلى وجهاء المدينة بتقرير علمي، ظناً منه أنهم سيشكرونه. فيطلبون منه التريث، ثم التلطيف، ثم الصمت، حفاظاً على السياحة والأرزاق. وحين يصرّ، يُعلنونه عدواً للشعب. كُتبت المسرحية عام 1882، ولم يكن في مياه المنتجع ما يشبه الغيب. كان في العمل نفسه شيء أثقل: الطبيب لم يُعاقَب لأنه أخطأ، بل لأنه رأى مبكراً ما لم يكن الآخرون مستعدين لرؤيته.

هذه هي الوظيفة القديمة للكاتب في أوروبا: أن يكون الرجل المزعج في الغرفة. كتب يفغيني زامياتين روايته (نحن) عن مجتمع تُحصى فيه الأنفاس بالساعة، قبل أن تتشكل الأنظمة التي ستتشبه بروايته، وجاء بعده أورويل وهاكسلي فبنيا على الفكرة. وكتب هاينريش بول عن صحافة تهشّم سمعة امرأة بريئة في أيام، وكان يرى في الإعلام آلة قادرة على صناعة الذنب كما تصنع الأخبار. لم يكن هؤلاء عرّافين. كانوا يعملون بمبدأ بسيط: لا شيء يبدو جميلاً أكثر مما ينبغي إلا وفيه ما يستحق الفحص.

فهل خلا أدبنا من هذه النبرة؟ الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنه لم يخلُ. في الشعر والقصة والمقال والرواية العراقية نصوص كثيرة كتبت الوجع قبل أن يصير خبراً. لكن أغلبها اضطر إلى أن يتخفّى في الرمز، وأن يقول الأشياء بالإيحاء ويغلّفها بالحكاية والأسطورة والمجاز، كمن يسلّم رسالة عاجلة ملفوفة في ثلاث طبقات من الورق. وصل بعضها، وضاع كثير منها في الطريق.

وعندنا قاعدة قديمة تعرفها الثكنات وتتسرب منها إلى ما سواها: (نفّذ ثم ناقش). عبارة تبدو منطقية في ميدان لا يحتمل التردد، لكنها حين تغادر الميدان تصير عادة في كل شيء. في البيت: اسكت واحترم ثم نتفاهم. في المدرسة: احفظ ثم اسأل. في الوظيفة: وقّع ثم اعترض. والمفارقة أن قسمها الثاني لا يأتي. (ثم ناقش) تتحول إلى وعد مؤجل إلى أجل غير مسمى، فتنتهي المناقشة إلى صمت يتوارثه الأبناء عن الآباء، ويسمّونه أدباً.

حين يتربى مجتمع على أن السؤال مؤجل دائماً، يضعف عنده عضو التوقع. نصير بارعين في الرثاء لأنه يأتي بعد انتهاء الوقائع ولا يطلب شجاعة، ونتعثر في الإنذار لأنه يأتي قبلها ويكلّف صاحبه. ثم يُضاف إلى ذلك واعظ لطيف في كل مجلس، يقول للكاتب بحسن نية: (لا تنفعل، أنت أكبر من هذا). كأن الانفعال عيب في التربية، لا أحد أوجه الفهم، وكأن من يتألم لما يراه قد أخطأ في تقدير الأمور.

وما يُكبت لا يختفي، بل يبحث عن مخرج. حين لا يجد الجيل لغة يعبّر بها عن قلقه ولا مساحة يسأل فيها، يذهب إلى أقرب باب مفتوح. وكثيراً ما يكون هذا الباب حزباً، لا عن قناعة بفكرته ولا عن معرفة بمشروعه، بل لأنه يبدو الطريق الأقصر إلى وظيفة أو منصب أو حماية. ينتمي المرء إلى الواجهة لا إلى المبدأ، فإذا تبدلت الريح تبدّل معها، وانتقل من راية إلى أخرى بالسهولة نفسها التي ينتقل بها المسافر من مقعد إلى مقعد. هنا لا يعود الحزب فكرة تجمع الناس حولها، بل يصير مكتب توظيف بلافتة كبيرة.

وغالباً ما يُغلَّف هذا الانتماء بعنوان نبيل، فالشعارات الكبيرة أقدر الأقنعة على إخفاء الفراغ. ومن يدخل بلا إيمان لا يملك ما يدافع عنه إلا الولاء لمن يمنحه، وهذا أضعف أنواع الولاء. وحين تحلّ الشعارات محل الأسئلة، يدفع الجميع الثمن، ومن رفعها أولاً لا ينجو منه.

لذلك لا أرى في إبسن وبول وزامياتين حكايات عن بلاد بعيدة. أراهم يقولون إن المجتمع الذي يحتفي بكاتبه المزعج يكسب وقتاً، وإن الذي يعاتبه على صراحته يوفّر على نفسه الإزعاج اليوم، ويدفع الفاتورة كاملة غداً. الإنذار المبكر ليس تشاؤماً، بل هو أرخص أشكال الحماية.

ولا أدعو هنا إلى كتابة صاخبة ولا إلى مواجهة لأجل المواجهة. أدعو إلى شيء أهدأ وأصعب: أن نعيد للسؤال مكانه في البيت والمدرسة والصحيفة والنص، وألا نؤجّل (ثم ناقش) إلى ما بعد فوات الأوان. فالكاتب الذي يرفع صوته مرة قد يكون أنقذ بلدة كاملة من الماء الملوّث، والسؤال الذي نخشاه اليوم هو، في الغالب، السؤال الذي سنتمنى لو طرحناه قبل عشرين عاماً.

وربما يكون الاختبار الحقيقي لأي مجتمع بسيطاً: كم من أصواته المنذرة سمع قبل أن تتحول إلى ذكرى؟

الإنذار المفقود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *