التجريد عند ناجي الحاي كسر للقيود
بقلم الكاتبة المغربية
د كتورة / سعاد ثقيف
عندما تتشابك خيوط القدر والموهبة، يبرز فنان تشكيلي كرمز حقيقي للإرادة الإنسانية التي تتجاوز قيود الجسد. و لم تشكل له الإعاقة الحركية عائقا أمام الإبداع، بل أصبحت بمثابة جسر يعبر منه نحو آفاق جديدة من التعبير. ويتنقل بين عوالم الألوان كمن يسطر قصة حياة تتجاوز الكلمات، وعكس في أعماله صراعات داخلية وأحلاما ملونة تشهد على قوة الروح وعظمة الإنسان.
اعتمد الفنان التجريد في جل اعماله لأن العالم الواقعي المرئي أو الملموس، عجز عن التعبير عن مشاعره، أفكاره، أو رؤاه الداخلية. فالتجريد هو وسيلة لتحرير الفن من قيود التمثيل، ليصبح لغة تعبيرية صافية تعتمد على الشكل، اللون، الخط، والإيقاع، لا على الأشياء في ذاتها.
يمثل الفن التجريدي أحد أرقى أشكال التعبير الفني، لما يحمله من إمكانات رمزية وتعبيرية تتجاوز حدود الشكل الواقعي وتتيح للفنان ترجمة تجربته الذاتية بلغة بصرية حرة. و تكون قادرة على التعبير عن الفوضى، السرعة، والانهيارات النفسية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان المعاصر. فأصبح التجريد بذلك موقفا فلسفيا تجاه الوجود لا مجرد أسلوب.
ينظر للتجريد أيضا كطريقة للوصول إلى الجوهر الروحي للأشياء، عبر تجاوز قشرتها المادية. تماما كما تفعل الموسيقى، التي تحرك الوجدان دون الحاجة إلى تمثيل شيء. وعندما يأتي هذا التعبير من فنان من ذوي الإعاقة الحركية، فإنه يضفي على العمل عمقا إنسانيا مضاعفا، حيث تصبح اللوحة مساحة يتجاوز فيها الجسد حدوده، ويتحول فيها الألم والتحدي إلى فعل خلاق. ملموس.
عبر التجريد، أعلن الفنان عن وجوده ككائن حر، خلق عالما بديلا خاصا به. رسالته، أن يقدم وجهة مشرقة لدولته الكويت، التي تتميز بموروثها الشعبي.
يختار في بداية كل عمل فني عناصر لوحته بعناية و ينتقي الألوان التي تمتع النظر وتكون معبرة عما يريد إيصاله، لأن اللون بالنسبة له هاجس مهم، يكون معه نوع من الانسجام والمحبة، ما يساهم في إنتاج خصب لذهنه، يجعله أحيانا يستشرف المستقبل.
و يكرر في لواحته العنصر الانساني كرمز فني، بما يحمله من عوامل الخير والشر، ومن قيم إنسانية عظيمة. يصب الفن في خدمة المجتمع. وكفنان تشكيلي، تعد تلك الرمزية أسمى شيء يجسده في أعماله، حيث يرصد ما يراه بتقنية المواءمة بين الشكل والمضمون والمعالجة الأسلوبية، ذلك لإيصال الفكرة في شكل رسالة جمالية إنسانية بملخص شديد.
يفضل الرسم في منتصف الليل، لما فيه من هدوء تام. ويبني كل لوحة من لوحاته بناء خاصا على شكل معين، لونيا وحسيا، من أجل بناء مشهد ممتع التكوين.
ويعتمد الترميز الشديد، كي يعطي نكهة ويستفز التساؤلات.
إنه الفنان التشكيلي ناجي الحاي الذي توجه إلى التجريد ليعيد الواقع، بلغة داخلية، ولاستكشاف مناطق في النفس لا تطالها الكلمات.
الفنان ناجي الحاي فنان تشكيلي موهوب، نموذج رائع للإرادة والتحدي. متزوج وأب لأربعة أبناء.
يستعمل اسلوب التجريد الذي يتيح له ترجمة مشاعره وتجربته الذاتية بلغة بصرية حرة. التي تضفي على العمل عمقا إنسانيا مضاعفا، حيث تصبح اللوحة مساحة يتجاوز فيها الجسد حدوده، ويتحول فيها الألم والتحدي إلى فعل خلاق.
التجريد لم يكن في يوم من الايام انسحابا من الواقع، بل إعادة تشكيل له، وفق رؤية داخلية وشخصية. فالفنان ناجي الحاي لا يرسم ما يراه، بل ما يشعر به، ليفتح للمتلقي باب التأويل. وهذا ما تجسده لوحة “عزف منفرد” التي تمثل عمل تركيبي معقد، يمتاز بثراء بصري وفكري كبير. اعتمد على التفاعل بين الألوان، الأشكال، والرموز. بحيث يمكن اعتبارها مرآة لذات متشظية، تبحث عن ترابط في عالم مفكك.لوحة متعددة الطبقات البصرية والرمزية، تنتمي إلى الفن المركب ذي الأبعاد السيميولوجية، حيث تتداخل فيها أشكال تجريدية، وجوه، نوافذ، إشارات، وخطوط هندسية أو شبكية.
تنقسم اللوحة إلى وحدات شبه مربعة أو مستطيلة، شبيهة باسلوب الفيتراي كما لو كانت نوافذ أو مقاطع من مشاهد حياتية. أو لقطات من الماضي متجمدة في الزمان. استعملت الألوان بكثافة رمزية.المشهد يطغى عليه اللون البرتقالي والأحمر الداكن الذي قد يشير إلى الألم، العنف، أو الثورة. يعلو اللوحة على اليمين اللون الأزرق السماوي يرمز إلى الأمل أو الحلم، ولكن وجده في الجانب الايمن من اللوحة فهو يوحي ربما بمحاولة الهروب من الصراع القائم في المساحات الأخرى من العمل. ووخلق الفنان توترا بصريا يوحي بصراع داخلي بين العاطفة والعقل، أو بين الماضي والحاضر استعماله للون الأخضر.
توجد ملامح وجوه مموهة ومندمجة ضمن التكوين، ما يشير إلى طابع نفسي أو سردي عميق، وكأن اللوحة تستحضر ذكريات سابقة اختلطت مع الزمن.
نلاحظ كذلك وجود خطوط متقاطعة بشكل شبكي يوحي بالسجن، أو ربما الإشارة إلى إطار أو قفص.و رموز البسيطة مثل الـ X توحي بالرفض، أو الإلغاء، أو التمرد، وربما تشير إلى حدث معين.
و يبرز اللون البني ليعكس البيئة الترابية أو الواقعية للمشهد.
كما أن التفاوت في الإضاءة أضاف بعدا بصريا يوحي بإحساس العزلة.لوحة”عزف منفرد” لوحة تقرأ مثل قصيدة، مليئة بالإشارات والرموز والانفعالات. لا تقدم أجوبة، بل تطرح جدلية الحضور والغياب، الذكرى والنسيان.
اللوحة تقدم مشهدا متعدد الدلالات، يحمل في داخله تساؤلات حول الهوية، الذاكرة، والانتماء. يمكن قراءة العمل بوصفه تأملا في الذات الجماعية والفردية، أو محاولة لاستعادة الزمن الضائع من خلال ترميم الذاكرة البصرية.
بالنسبة لفنان من ذوي الإعاقة الحركية، يمكن للتجريد أن يكون بديلا عن الحكي المباشر عن معاناته، كما يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتحرير الذات، ورفض القوالب الجاهزة التي يحاول المجتمع أحيانا فرضها على الجسد المختلف.يوفر الفنان ناجي نظرة أعمق إلى مفهوم الإبداع، إذ لا يقتصر التعبير الفني على المحاور التقليدية بل ينسج من تجاربه الفريدة أسلوبا يستند إلى الفلسفات الإنسانية العميقة عن الحياة، الألم، والجمال. وفي هذا السياق، تظهر مسيرته أن الفن هو أكثر من مجرد ألوان على قماش، إنه صوت ينادي، ودعوة للأمل حيث تتلاشى الحدود بين الممكن والمستحيل.
في عالمه الابداعي تطالعنا أعمال فنية تجريدية حيث تمتزج التقنية بالخيال لتخلق تجارب بصرية فريدة. و تنويعات لونية كثيفة ومتشابكة، مكونة من تدرجات لونية معقدة تمثل عمق المشاعر وتجربة وجودية غامضة. و لمسات من لون اخر ليضفي على العمل جوا من التحولات النفسية. هذا الانتقال اللوني لا يقتصر على المستوى الجمالي، بل يتخلله تأثيرات عاطفية تمثل الصراعات الداخلية للإنسان. كما تبرز الفواصل بين الضوء والظلام، الأمل واليأس.
إن التجربة البصرية التي تقدمها لوحات ناجي الحاي دعوة للتأمل في ما وراء الألوان والسياقات.
استخدم الفنان في لوحة “عزوف” أسلوب الطبقات المتراكبة ، حيث تندمج الألوان وتتصارع في مساحة اللوحة، ما يخلق أثرا بصريا كثيفا. تظهر ضربات الفرشاة بشكل حر وعنيف أحيانا، مما يعكس انفعالات عميقة لدى الفنان أثناء التنفيذ.
اعتمد الفنان على توزيع متوازن للكتلة رغم عشوائيته الظاهرية، ما منح العمل قوة تشكيلية ودرامية في آن معا. الألوان الغامقة تعزز من الإحساس بالعمق النفسي والتوتر، بينما تكسرها لمسات حمراء وزرقاء وسط العتمة.تحتوي اللوحة على مساحات لونية كثيفة متراكبة، تتدرج من اللون الأسود والبنفسجي الغامق إلى لمسات من الأزرق الفاتح والأحمر.
يبدو في وسط اللوحة محور مركزي يمتد من أسفل اللوحة إلى الأعلى، وكأنه طريق أو نفق ضيق يقود إلى نقطة ضوء أو فتحة في قمة التكوين، محاطة بعتمة حالكة. هذا الخط العمودي البنفسجي المائل والذي يشبه درجات سلم أو ممر متآكل يمنح المشهد بعدا دراميا وجوديا. ويرمز هذا الحيز إلى مسار شخصي أو روحي غامض، قد يكون رحلة داخلية أو خروجا من الظلام إلى النور، أو من الواقع إلى المجهول. تدرجه من كثافة داكنة إلى فتحة شبه دائرية في الأعلى يرمز إلى التحول أو العبور.
أما السواد واللطخات والتراكمات الفوضوية على جانبي الطريق قد ترمز إلى العوائق النفسية، أو الصراعات الداخلية التي تحيط بالإنسان في طريقه نحو الحقيقة أو الخلاص.كما أن توزيع البقع الداكنة والأشكال الدائرية الصغيرة يوحي ربما تفكك الواقع. كما أن وجود نقطة ضوء خضراء في الأعلى يتماهى مع فكرة “الخلاص”.
اللوحة تقف عند تخوم الوعي واللاوعي،
تدخل المتلقي في حالة من التساؤل العميق المرتبط بالذات والوجود.
تعد هذه اللوحة مثالا ناضجا على قدرة الفن التجريدي على ملامسة مشاعر الإنسان في أعمق تجلياتها، بعيدا عن التمثيل المباشر أو الوضوح البصري. إنها رحلة بصرية عبر الظلال، نحو النور…
و في الحقيقة الفن ليس مجرد انعكاس للعالم، بل قدرة على إعادة تشكيله من جديد. وبينما يعتقد البعض أن الجسد هو شرط للخلق الفني، تثبت تجارب فنانين من ذوي الإعاقة الجسدية أن الروح وحدها قادرة على التحليق، وأن اليد التي ترسم ليست دائما يدا مادية، بل قد تكون رؤية، وشعور، وتمرد هادئ على الممكن.
و الفنان يوسف الحاي أحد الأمثلة التي تجمع بين البعد الإنساني والتجلي الجمالي فهو كويتي الجنسية عضو الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية
عضو نادي الكويت الرياضي، حاز على عدة جوائز ليس فقط اعترافا بجودة إنتاجه، بل هو تتويج لمسار فني وإنساني:
الجائزة التقديرية 1998 معرض 25 فبراير الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية
الجائزة التشجيعية 1999 القرين المجلس الوطني
جائزةالدانة الذهبية 2000 معرض 25 فبراير الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية وفي 2001.
جازة عيسى صقر الابداعية 2002 المجلس الوطني
جائزة الدانة الذهبية 2003 الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية
جائزة شركة البترول الوطنية الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية 2003جوائز تقديرية للاعوام 2005 . 2006 .2007 وزارة التربية
جائزة وزارة الإعلام 2005
جائزة الشيخة فتوح سلمان الصباح 2008 الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية
جائزة عيسى صقر الإبداعية 2015 المجلس الوطني
بينالي القاهرة السابع ومثل فيه دولة الكويت 1998.
و تطول اللائحة بما قام به من معارض داخل و خارج الكويت.
كما حاز على :
جائزة الفنان القدير نور الشريف 2014 جمهورية مصر العربية
جائزة الإبداع مهرجان الفن التشكيلي العربي الأردن عمان 2015
جائرة الإبداع مهرجان الفن التشكيلي العربي الإراة دبي 2015
جائزة الإبداع جمهورية العراق بمناسبة بغداد عاصمة للثقافة العربية 2015 الجسدية،
في كل ضربة فرشاة من هذا الفنان، نقرأ إرادة حرة تصوغ الجمال من داخل التحدي.
وهكذا، يصبح الفن مساحة للتحليق فوق كل قيد، لا فقط لفنان من ذوي الإعاقة، بل لكل روح تبحث عن صوت، وعن شكل تعبّر به عن حقيقتها.

