الحكمة من إخفاء وقت يوم القيامة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا أن الله سبحانه وتعالي أخفى وقت يوم القيامة عن عباده وعن رسوله المصطفي صلي الله عليه وسلم إلا أنه جعل بعض العلامات والأشراط التي تدل على قرب القيامة، وذلك لحكم كثيرة منها حث العباد على الاستعداد للقاء ربهم بالعمل الصالح والطاعات، وتجنب الوقوع في المعاصي والمنهيات التي حذر الله منها، إذ إن أعمال العبد لا يعتد بها بحلول القيامة، ولذلك أيضا أخفي وقت موت الإنسان، حيث قال الإمام الآلوسي رحمه الله في ذلك “وإنما أخفى سبحانه أمر الساعة لإقتضاء الحكمة التشريعية ذلك فإنه أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك، وتدل الآيات على أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يعلم وقت قيامها، نعم علم صلي الله عليه وسلم قربها على الإجمال، وأخبر صلي الله عليه وسلم به” ولذلك كان جديرا بالإنسان الاستعداد ليوم القيامة بالخوف والخشية من الله سبحانه وتعالي، واستشعار مراقبته لعباده في جميع أحوالهم.
واعلموا بأن العاقل يرتب النتائج على المقدمات، ويربط بين الأسباب والمسببات والجواب على الإستفسار، ويتوقع بعد الشرط المشروط، فإن لم تستطيعوا أن تأتوا بمثل سورة من القرآن، ولم يسعفكم من التجأتم إليهم واستعنتم بهم، فهو الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فهلا أسلمتم قيادكم لرسوله المرسل وآمنتم به وبالقرآن المنزل عليه، فإن الأمر جد لا هزل فيه، وتكليف ومسؤولية لا تهاون فيها، وإن عجزتم عن التحدي، ولم تلقوا مراسم الطاعة والولاء فإن مصيركم إلى النار يوم القيامة إنها نار لا كالنيران التي ترونها في الدنيا، فإن النار التي تعهدونها في حياتكم الدنيا نار ضئيلة توقد بالحطب والغاز والطاقة الكهربائية، أما نار الآخرة فهي سوداء قاتمة أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت، وأوقد عليها ألف سنة أخرى حتى ابيضت، وأوقد عليها ألف سنة ثالثة حتى اسودت، فإنها توقد بالناس الكفرة الدين اتخذوا مع الله أندادا، وكذبوا أنبياءه، وتوقد بالحجارة التي عظمت وقدّست من دون الله.
وإن كل معبود من دون الله رضي بعبادة الناس له، وكل عابد اتخذ آلهة من دون الله هم وقود نيران الجحيم، فقووا أنفسكم من هذه النيران التي تتلمظ وتشهق عندما ترى الكافرين، أما إذا آمنتم بالله وحده لا شريك له، وهو مقتضى التفكير السليم، وآمنتم برسوله محمد، صلى الله عليه وسلم وبالقرآن المنزل عليه، وهو مقتضى التحدي والعجز الذي أقررتم به، فلكم البشارة بجنات عرضها السماوات والأرض، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولكم الخلود الدائم فلا موت، والنعيم الخالد فلا فوت، لكم فيها ما تشتهيه الأنفس من الملذات، من المطعومات والمشروبات، فإن أثر الإيمان في إشاعة الأمن والاطمئنان من منظور القرآن والسنة، موضوع واسع ومتشعب، وتتبع النصوص من الكتاب الكريم، وهدى المصطفى صلى الله عليه وسلم يستوجب حيزا أكبر، ومجالا أوسع، لأن راحة النفس لا تكون إلا بالإيمان، ورخاء المجتمع لا يكون إلا بالأمان.
ولقد أخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم عن النعم وألوان الخير التي يسلبها الله تعالى ويحرمها على أهل النار، ومنها حبوط أعمالهم وحبوط الأعمال أي ذهاب أثرها وثوابها، ومنها يأسهم من رحمة الله تعالى أي يئسوا من ثواب الآخرة ونعيمها، كما تسلب منهم نعمة مغفرة الذنوب، وكما يحرمون من النور يوم القيامة فعندما يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة يعطى الله المؤمن نورا يستضيء به ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئا، بل يحرمون من كل ما يشتهون، فإنه يحال بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة فمنعوا منه، والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تخبر وتنذر الكافرون والعصاة والمذنبين بما يصيبهم يوم القيامة من حرمان وخزي وخسران وغير ذلك، ولنعلم جميعا بأن القصاص من أسباب الإطمئنان في المجتمع والقضاء على الجريمة، لأنه يقضي على الفئات الفاسدة في المجتمع، حتى لا يتوسع نطاق عملها في أجزاء أخرى منه، حسبما نرى في المجتمعات الغربية.
التي رأفت بالمجرم لأنه في نظرهم يحتاج إلى الرعاية والعطف، فهو لم يرتكب الإجرام في نظر المهتمين بأمره، إلا من مؤثرات تحيط به من صحية أو اجتماعية أو أسرية أو غيرها، وهذا هو حكم الله الذي فيه طمأنينة المجتمع، وإخافة الفاعل، والردع عن التمادى في العمل الضار، قد أنزله سبحانه على بني إسرائيل في توراتهم، فخالفوا وعاندوا، وبدّلوا، فكانت النتيجة جرائم متتالية، وإضطرابات تزعزع النفوس، وإختار الله هذه الأمة لتطبيق ذلك فأمن مجتمعهم، واطمأن الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم عند الإمتثال، ثم دب القلق في بعض المجتمعات الإسلامية، لأن أقواما إستبدلوا بحكم الله قانونا بشريا، وغيروا ما أراده الله، بما أخذوه عن غيرهم تقليدا، وإستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولا شيء يؤمن المجتمع، ويحفظ الأمة، ويقضي على أسباب الخوف، إلا بتطبيق ما إرتضاه الله في شرعه، وأكده رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، بحماية الأفراد، والمحافظة على الجماعات، لأن الله بعباده رؤوف رحيم، فحفظ الأموال من التعدي والحقوق من التطاول.
الحكمة من إخفاء وقت يوم القيامة


