الرئيسية » النقد حين يصبح العقل مشرطا لامطرقه
مقالات

النقد حين يصبح العقل مشرطا لامطرقه

النقد حين يصبح العقل مشرطا لامطرقه

النقد حين يصبح العقل مشرطا لامطرقه
بقلم محمد عطا القطيعي

في السياسة والأدب والصحافة والفن.. ليس كل من رفع صوته ناقدًا، ولا كل من امتلك قلمًا امتلك بصيره
هناك فرق هائل بين الناقد وبين الإنسان الذي «يعترض» على كل شيء!
فالناقد يرى ما لا يراه الآخرون، ويفهم ما وراء الكلمات، ويقرأ ما بين السطور، ويعرف أن الحقيقة لا تسكن دائمًا في أول جملة، ولا تختبئ بالضرورة في آخر تصفيقة.
أما صاحب «النقد أبو كلمتين» فهو ذلك الكائن العجيب الذي يشاهد مباراة فيقول: «الفريق وحش».. ويسمع قصيدة فيقول: «مفيهاش إحساس».. ويقرأ مقالًا فيقول: «كلام فاضي».. ويشاهد لوحة فيقول: «ابني في الحضانة بيرسم أحسن من كده»!
وهنا تبدأ الكارثة!
فـالنقد ليس شتيمة مؤدبة، ولا إعجابًا متخفيًا، ولا تصفية حسابات ترتدي بدلة ثقافية.
النقد الحقيقي وعيٌ قبل أن يكون رأيًا، ومعرفةٌ قبل أن يكون حكمًا، وإنصافٌ قبل أن يكون اعتراضًا.
في السياسة.. لا تكن مشجعًا في مدرجات الكلام
النقد السياسي من أصعب أنواع النقد؛ لأنه يتعامل مع السلطة والمجتمع والمصالح والقرارات وآثارها على الناس.
والناقد السياسي الحقيقي لا يسأل فقط:
«هل أحب هذا السياسي أم لا؟»
بل يسأل:
ماذا قال؟
ماذا فعل؟
ما الذي تغير؟
ما الدليل؟
ما النتائج؟
ومن المتأثر بالقرار؟
وما البدائل الممكنة؟
هنا يتحول النقد من «أنا شايف» إلى «أنا أستند إلى وقائع وأدلة».
أما أن يتحول الناقد إلى مشجع في مدرج سياسي، يهتف لفريقه ويصفق لكل ما يأتي منه، ويطلق صافرات الاستهجان على كل ما يأتي من الفريق الآخر، فهذه ليست ممارسة نقدية، بل تشجيع كروي بالقلم!
والأخطر من ذلك أن يغير الإنسان موقفه من الفكرة لمجرد أنه يحب صاحبها أو يكرهه.
فالفكرة لا تصبح صحيحة لأن قائلها نحبه، ولا تصبح خاطئة لأن قائلها لا يعجبنا.
العقول الكبيرة تناقش الفكرة، والعقول الصغيرة تبحث أولًا عن صاحبها.
والناقد السياسي الناضج يستطيع أن يقول:
«هذا القرار أراه صحيحًا لهذه الأسباب».
ويستطيع في اليوم التالي أن يقول:
«هذا القرار أراه بحاجة إلى مراجعة لهذه الأسباب».
دون أن يشعر أن تغيير رأيه خيانة لمعسكر!
فـالثبات على الخطأ ليس مبدأً.. أحيانًا يكون مجرد عناد يرتدي ملابس رسمية.
النقد الأدبي.. عندما تقرأ الروح قبل الحروف
في الأدب، لا يكفي أن تعرف النحو والصرف والعروض.
فالقصيدة ليست مجموعة كلمات مصفوفة في طابور عسكري!
والرواية ليست عدد صفحات!
والقصة ليست مجرد بداية ووسط ونهاية!
الناقد الأدبي يحتاج إلى معرفة اللغة، والبلاغة، والأسلوب، والصورة، والإيقاع، والسياق الثقافي، وتجربة الكاتب، وطبيعة الجنس الأدبي الذي يقرأه.
ثم يحتاج فوق كل ذلك إلى شيء أخطر:
الذائقة.
فقد يكون الإنسان عالمًا بالقواعد، لكنه لا يشعر بالجمال.
وقد يكون حافظًا لعشرات المصطلحات النقدية، لكنه إذا تحدث عن نص أدبي جعلك تشعر أن القصيدة ارتكبت جريمة تستحق السجن!
الناقد الأدبي الحقيقي لا يبحث عن عيب ليعلن انتصاره على الكاتب.
إنه يبحث عن القيمة أولًا.
يسأل:
أين نجح النص؟
أين تعثر؟
ما الذي أضافه؟
هل لغته تخدم فكرته؟
هل الصورة جميلة أم متكلفة؟
هل العاطفة صادقة أم مصنوعة؟
وهل الكاتب يملك شيئًا يقوله، أم أنه فقط يجيد استخدام الكلمات؟
فالكاتب قد يملك قاموسًا كاملًا، لكنه لا يملك جملة واحدة حية.
وقد يكتب آخر بلغة بسيطة، لكنه يضع في السطر الواحد حياة كاملة.
وهنا يظهر دور الناقد:
أن يرى الجوهر تحت الزخرفة.
النقد الصحفي.. بين سرعة الخبر وضمير القلم
أما النقد الصحفي فله طبيعة خاصة؛ لأن الصحافة لا تملك رفاهية الخطأ ثم الاختباء خلف عبارة «كنت أقصد شيئًا آخر».
الصحفي والناقد الصحفي يتعاملان مع معلومات ووقائع وأشخاص ومؤسسات وجمهور، ولذلك يصبح التحقق من المعلومات، وإتاحة السياق، والاستقلال عن المصالح، وتصحيح الأخطاء، والتمييز بين الخبر والرأي جزءًا من المسؤولية المهنية.
فالناقد الصحفي لا ينبغي أن يسأل:
«كيف أجعل المقال أكثر إثارة؟»
بل:
«كيف أجعل القارئ أكثر فهمًا؟»
وهذه نقطة فارقة.
لأن الإثارة بلا حقيقة تتحول إلى ضجيج، والرأي بلا معلومات يتحول إلى انطباع، والانطباع بلا وعي قد يتحول إلى ظلم.
ومن أخطر أمراض النقد الصحفي أن يبدأ الكاتب بالحكم ثم يبحث عن الأدلة!
الصحيح أن يبدأ بالأدلة، ثم يكوّن قراءته.
والأخطر منه أن يخلط بين النقد والتشهير.
النقد يقول:
«هذه المعلومة تحتاج إلى مراجعة».
أما التشهير فيقول:
«أنا أعرف لماذا فعل هذا الرجل ذلك»!
والأول يحتاج إلى دليل.
أما الثاني فيحتاج إلى قارئ ساذج فقط!
النقد الفني.. عندما تتكلم اللوحة بلا لسان
في الفن، المسألة أكثر تعقيدًا.
فاللوحة لا تتحدث، والموسيقى لا تشرح نفسها، والمسرح لا يقدم للناقد ورقة إجابة نموذجية.
هنا يحتاج الناقد إلى عين ترى، وأذن تسمع، وذاكرة ثقافية، ومعرفة بتاريخ الفن ومدارسه واتجاهاته وتقنياته.
فليس من حق الناقد أن يقول:
«لا أفهم هذه اللوحة إذن هي سيئة».
ربما المشكلة ليست في اللوحة!
ربما المشكلة أن الناقد دخل إلى المعرض بعين واحدة وترك عقله عند الباب!
وفي الفن تحديدًا، يجب أن نفرق بين:
«هذا العمل لا يعجبني»
و
«هذا العمل ضعيف فنيًا».
الأولى ذائقة شخصية.
أما الثانية فهي دعوى نقدية تحتاج إلى أسباب ومعايير.
ومن هنا تبدأ البراعة.
فما الذي يصنع الناقد البارع؟
يصنعه أولًا العلم.
ثم التجربة.
ثم القراءة.
ثم المشاهدة والاستماع.
ثم القدرة على المقارنة.
ثم، وربما قبل كل ذلك:
التواضع!
فالناقد الذي يعتقد أنه يعرف كل شيء توقف عن التعلم.
والذي لا يستطيع أن يقول «لا أعرف» لا يصلح لأن يقول «أعرف».
والذي لا يستطيع الاعتراف بقيمة خصمه لن يستطيع إقناع الآخرين بعدالته.
الناقد الحقيقي لديه عقل مفتوح، لكنه ليس عقلًا بلا أبواب!
يسمع الجميع، ثم يفكر.
يقرأ الجميع، ثم يختار.
يرى العمل، ثم يحلله.
يختلف، لكنه لا يهين.
يعترض، لكنه لا يزوّر.
ينتقد، لكنه لا ينتقم.
وأخطر أسلحة الناقد.. أن يعرف نفسه
قبل أن ينتقد السياسي، عليه أن يسأل نفسه:
هل أنا أناقش القرار أم أكره صاحبه؟
وقبل أن ينتقد الكاتب:
هل أختلف مع النص أم مع الكاتب؟
وقبل أن ينتقد الصحفي:
هل أملك معلومة أم مجرد انطباع؟
وقبل أن ينتقد الفنان:
هل أفهم المدرسة التي ينتمي إليها أم أنني أحاكمها بذوقي الشخصي فقط؟
هذه الأسئلة الصغيرة قد تمنع أخطاء نقدية كبيرة.
فالناقد لا ينبغي أن يكون «قاضيًا» يبحث عن إدانة، وإنما قارئًا عميقًا يبحث عن الحقيقة والقيمة.
السخرية.. سلاح الناقد إذا كان في يد عاقل
والسخرية في النقد ليست عيبًا.
بل قد تكون من أذكى أدواته.
لكن هناك فرقًا بين السخرية من الفكرة والسخرية من الإنسان.
يمكنك أن تسخر من التناقض، دون أن تهين صاحبه.
يمكنك أن تضحك من المفارقة، دون أن تجرح الكرامة.
يمكنك أن تقول:
«هذا الرأي يحتاج إلى طائرة خاصة حتى يصل إلى أرض المنطق».
فتكون قد سخرت من الفكرة.
لكن أن تحول النقد إلى إهانة شخصية، فقد غادرت ميدان النقد ودخلت ميدان الخصومة.
والناقد الذكي هو الذي يجعل القارئ يبتسم ثم يفكر.
أما الناقد الذي يجعل القارئ يضحك فقط، فقد قدم عرضًا كوميديًا، لا نقدًا.
النقد ليس هدمًا.. بل عملية إنقاذ
هناك من يظن أن وظيفة الناقد أن يمسك المطرقة ويهدم.
وهذا فهم خاطئ.
الناقد الحقيقي أقرب إلى الجراح.
الجراح لا يقطع لأنه يحب القطع، وإنما يزيل ما يضر الجسد ويحافظ على ما ينفعه.
وكذلك الناقد.
إنه لا يبحث عن الأخطاء ليقول:
«انظروا.. أنا أذكى من الكاتب!»
بل يقول:
«هنا موضع القوة، وهنا موضع الضعف، وهنا يمكن أن يكون العمل أفضل».
ولهذا فإن النقد الناضج لا يقتل الإبداع.
بل يحرسه من الغرور والتكرار والضعف.
وهنا تأتي البراعة
البراعة ليست في أن تنتقد كل شيء.
البراعة أن تعرف:
متى تنتقد، وماذا تنتقد، ولماذا تنتقد، وكيف تنتقد، وأين تتوقف.
فالكلمة التي لا تضيف فهمًا قد تكون مجرد ضوضاء.
والاعتراض الذي لا يستند إلى معرفة مجرد حركة باليد.
والسخرية التي لا تخدم فكرة مجرد استعراض.
والحكم الذي لا يقوم على معيار ليس نقدًا، بل مزاجًا مكتوبًا بالحبر.
وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تمنح كل إنسان منصة، صار الفرق بين «صاحب رأي» و«ناقد» أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فليس كل من امتلك هاتفًا امتلك رؤية، وليس كل من كتب منشورًا صار كاتبًا، وليس كل من اعترض أصبح ناقدًا.
فالناقد لا يملك فقط عينًا ترى.. بل عقلًا يفسر، وضميرًا يزن، ولسانًا يعرف متى يقول ومتى يصمت.
والأجمل أن الناقد الحقيقي لا يدخل معركته وفي يده حكم جاهز.
يدخل وفي يده سؤال.
لأن السؤال الصادق قد يفتح بابًا أغلقته ألف إجابة متعصبة.
وأخيرًا..
في السياسة، نحتاج ناقدًا لا مشجعًا.
وفي الأدب، نحتاج ناقدًا لا حسودًا.
وفي الصحافة، نحتاج ناقدًا لا صياد فضائح.
وفي الفن، نحتاج ناقدًا لا أسير ذائقته.
وفي الحياة كلها، نحتاج إنسانًا يعرف أن الاختلاف ليس عداوة، وأن النقد ليس كراهية، وأن التصفيق المستمر ليس دليلًا على النجاح.
فالذي ينتقدك بحجة قد ينفعك أكثر ممن يمدحك بلا سبب.
والذي يلفت نظرك إلى عيب قد يكون أكثر إخلاصًا لك ممن يصفق لكل ما تفعل.
ولذلك، لا تخف من الناقد الذي يقول لك:
«أنت مخطئ.. وهذه أسبابي».
خف فقط من ذلك الذي يقول لك:
«أنت عظيم في كل شيء»!
فالأول يريد أن يصحح الفكرة…
أما الثاني فقد يكون فقط يبحث عن مقعد في الصف الأول من حفلة التصفيق.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نختم به:
هل نحن بحاجة إلى مزيد من النقاد؟
ربما نعم.
لكننا قبل ذلك بحاجة إلى نقاد يعرفون أن النقد مسؤولية، وأن القلم ليس مطرقة، وأن العقل ليس مدفعًا، وأن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ كي تنتصر.
فالناقد البارع ليس من يستطيع أن يجد العيب في كل شيء…
بل من يستطيع أن يجد الحقيقة حتى حين تختبئ داخل الشيء الذي جاء لينتقده
————القطيعى الشريف————-

النقد حين يصبح العقل مشرطا لامطرقه

النقد حين يصبح العقل مشرطا لامطرقه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *