الرئيسيةمقالاتحين أصبح الإنسان رقمًا من قتل إنسانيتنا؟
مقالات

حين أصبح الإنسان رقمًا من قتل إنسانيتنا؟

ملفات المجتمع ملف. القضية رقم 6

حين أصبح الإنسان رقمًا من قتل إنسانيتنا؟

بقلم/الكاتبة والإعلامية/ راندا ابو النجا
سفير سلام دولي – أكاديمية الحرية والسلام وحقوق الإنسان

المقدمة قبل أن تبدأ القراءة

لا أريد منك أن توافقني

ولا أن تختلف معي

كل ما أطلبه أن تتوقف دقيقة واحدة.

وتسأل نفسك سؤالًا قد يكون الأصعب منذ سنوات:

هل ما زلت إنسانًا أم أصبحت مجرد رقم؟

لا تتعجل الإجابة

فهذا العصر علّمنا أن نُجيد ارتداء الأقنعة حتى صدقنا أننا هي وجوهنا الحقيقية

انظر حولك

ستجد الإنسان يُولد برقم، ويدخل المدرسة برقم، ويتخرج برقم ويتوظف برقم، ويُعالج برقم، ويُحاسب برقم، وحتى بعد رحيله يبقى إسمه في الأوراق مجرد رقم قيدٍ أو شهادة وفاة

لكن الكارثة ليست في أن المؤسسات تعتمد الأرقام

فالرقم وسيلة لتنظيم الحياة

الكارثة الحقيقية أن الإنسان نفسه بدأ ينظر إلى نفسه وإلى الآخرين بالأرقام

أصبح يقيس قيمته براتبه ومكانته بعدد متابعيه ونجاحه بحجم رصيده، وتأثيره بعدد الإعجابات التي يحصل عليها

وكأن الرحمة لم تعد قيمة.

والأخلاق لم تعد معيارًا.

والإنسان لم يعد إنسانًا

بل مشروعًا للاستثمار، أو وسيلة لتحقيق مصلحة، أو رقمًا يُستبدل بسهولة إذا انتهى دوره

وهنا يبدأ السؤال المؤلم

من الذي سرق إنسانيتنا؟

حين فقدت القلوب دفئها

كان الناس قديمًا يطرقون الأبواب بلا موعد لأن المحبة كانت الموعد

وكان الجار يعرف أحوال جاره دون أن يحتاج إلى منشور يطلب فيه الدعاء

وكان الطفل يجد من يستمع إليه قبل أن يبحث عن غريب يسمعه عبر شاشة هاتف

أما اليوم

فقد إمتلأت المدن بالبشر وازدحمت البيوت بالأجهزة، لكن القلوب أصبحت أكثر وحدة من أي وقت مضى

نجلس على مائدة واحدة

لكن كل واحد يعيش في عالم مختلف

الأب يتابع عمله.

والأم تلاحق مسؤولياتها

والابن غارق في هاتفه.

والابنة تبحث عن اعتراف الآخرين بجمالها أو نجاحها.

والنتيجة

بيت كامل.

لكن الحوار غائب

حين أصبح النجاح بلا روح

ليس النجاح أن تمتلك بيتًا أكبر.

ولا سيارة أحدث

ولا حسابًا مصرفيًا ممتلئًا

النجاح الحقيقي

أن يعود أولادك إلى البيت وهم يشعرون بالأمان

أن يطمئن عليك صديق لأنه يحبك، لا لأنه يحتاج منك شيئًا

أن يذكرك الناس بالخير عندما تغيب، لا لأنك كنت غنيًا، بل لأنك كنت رحيمًا.

لقد أقنعنا هذا الزمن أن القيمة فيما نملك بينما الحقيقة أن قيمة الإنسان فيما يمنحه للآخرين.

السوشيال ميديا نافذة أم قفص؟

ليست وسائل التواصل هي العدو

لكن المشكلة أننا سمحنا لها أن تصبح بديلًا عن الحياة.

صرنا نصور الطعام أكثر مما نستمتع به

ونوثق الرحلات أكثر مما نعيشها

ونكتب عن الحب أكثر مما نمارسه.

وأصبح البعض يشعر بالحزن إذا لم يحصد منشوره إعجابات كافية وكأن قيمته الإنسانية أصبحت رهينة شاشة صغيرة.

إن أخطر ما فعلته هذه المنصات أنها جعلت كثيرين يقارنون واقعهم بصور الآخرين، بينما لا أحد ينشر أوجاعه، ولا يعرض لحظات إنكساره

الفقر الذي لا تراه العيون

هناك فقر لا يظهر في الملابس

ولا في البيوت.

ولا في الحسابات البنكية

إنه فقر الرحمة

أن ترى محتاجًا فتدير وجهك

أن تسمع إستغاثة مظلوم ثم تقول ما شأني؟

أن يمرض قريب لك ولا تعرف إلا بعد أيام

أن يعيش الإنسان وسط مئات المعارف، ثم لا يجد كتفًا يسند إليه رأسه عندما ينهار

هذا هو الفقر الحقيقي فقر القلوب

إسأل نفسك قبل أن تُجيب غيرك

إذا انقطع الإنترنت أسبوعًا.

من ستزور؟

ومن سيزورك؟

إذا فقدت عملك

من سيبقى إلى جوارك؟

إذا مرضت

من سيجلس بجوار سريرك لأنه يحبك لا لأنه مجبر؟

هذه الأسئلة لا تكشف رصيدك في البنك.

بل تكشف رصيدك في قلوب الناس

الخاتمة الحكم الأخير

وفي نهاية هذه القضية.

لا أوجه الاتهام إلى التكنولوجيا

ولا إلى المال

ولا إلى سرعة الحياة

فالمال نعمة إذا خدم الإنسان

والتكنولوجيا نعمة إذا قربت القلوب.

والعمل عبادة إذا لم يسرق منا أعمارنا

لكنني أوجه الإتهام إلى ذلك الجزء في داخلنا الذي إعتاد أن يمر على وجع الآخرين دون أن يتوقف وأن ينشغل بالمظاهر حتى نسي الجوهر وأن يقيس الناس بما يملكون لا بما يحملونه من أخلاق ورحمه

وقبل أن تغلق هذا المقال

لا تسأل نفسك: كم ربحت اليوم؟

بل اسأل:

كم إنسانًا أسعدت؟

كم دمعةً مسحت؟

كم قلبًا طمأنته؟

كم كلمةً طيبة قلتها؟

لأنك يومًا ما

لن تحمل معك حسابًا بنكيًا، ولا منصبًا ولا عدد متابعين

ستحمل فقط أثرًا تركته في قلوب الناس

فإحرص أن يكون إسمك في ذاكرة من عرفوك “إنسانًا” لا مجرد رقم مرَّ في سجل الحياة ثم إختفى دون أثر

وإلى أن نلتقي في “القضية السابعة” من ملفات المجتمع. تذكروا دائمًا

ليست المشكلة أن نعيش في عصر الأرقام
بل أن نموت فيه ونحن مجرد أرقام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *