بقلم / رمضان فتحي
لم تكن المجتمعات يومًا تُقاس فقط بما تمتلكه من طرق ومبانٍ ومشروعات بل بما تحمله من قيم وأخلاق تحكم سلوك أفرادها وتحفظ تماسكها واستقرارها.
لكن المؤلم أن بعض المشاهد التي تتكرر في السنوات الأخيرة تطرح سؤالًا خطيرًا حول ما إذا كانت منظومة القيم نفسها تتعرض لاختبار صعب.
شاب يفقد حياته لأنه دافع عن فتاة تعرضت لموقف مسيء.
ورجل خمسيني يجلس في هدوء على كورنيش بنها فيعترض على ألفاظ خارجة لا تليق بالمكان ولا بالمارة فيدفع حياته ثمنًا لكلمة قال فيها “عيب”.
وقبل أيام يفقد السيد عنتر حياته بعدما حاول فض مشاجرة ومنع تفاقم خلاف بين آخرين.
وقائع مختلفة في أماكن متفرقة لكنها تحمل رسالة واحدة.
أن هناك من أصبح يرى في الاحترام ضعفًا وفي الأدب تراجعًا وفي الشهامة تدخلًا غير مرغوب فيه.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من قتل ومن اعتدى فقط.
بل كيف وصلنا إلى مرحلة يخشى فيها البعض أن يقول كلمة حق أو ينكر سلوكًا خاطئًا خوفًا من أن يصبح هو الضحية التالية.
هل المشكلة في ضعف الوعي؟
أم في تراجع دور الأسرة؟
أم في غياب القدوة؟
أم في التأثر بثقافات وسلوكيات تقدم العنف والبلطجة باعتبارهما طريقًا للهيبة وإثبات الذات؟
الحقيقة أن المسؤولية مشتركة.

فالأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية جميعها مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإعادة الاعتبار لقيم الاحترام والأدب والرحمة والتسامح.
فالمجتمع الذي يخاف فيه الناس من قول كلمة “عيب” هو مجتمع يحتاج إلى مراجعة حقيقية قبل أن يدفع ثمنًا أكبر.
إن مواجهة البلطجة لا تكون فقط بالعقوبات الرادعة رغم أهميتها بل أيضًا ببناء إنسان يعرف معنى الاحترام ويحترم القانون ويؤمن أن القوة الحقيقية ليست في إيذاء الآخرين بل في ضبط النفس وحسن الخلق.
لقد صدق أمير الشعراء حين قال:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وستبقى القيم والأخلاق والاحترام هي الركائز التي تحمي المجتمعات مهما ارتفعت أصوات البلطجة ومهما حاول البعض تزيينها أو تبريرها.
فالاحترام ليس ضعفًا.
والشهامة ليست جريمة.
والأخلاق ستظل دائمًا أقوى من الفوضى.
مراجعة وتحرير وصياغة
محمد سعيد الحداد
عهود حسن البيومي
المغيري بكري

