حين يصبح القلم ميزانًا
بقلم محمد عطا القطيعي
الإعلام بين هيبة القرار وقداسة الحقيقة
ما أشدَّ حاجةَ الأمم إلى كلمةٍ تُقال في موضعها، وما أعظمَ خطرَ الكلمة إذا خرجت من فمٍ لا يعرف وزنها، أو من قلمٍ لا يعرف ضميرَه!
فالإعلام ليس حبرًا على ورق، ولا صورةً تملأ شاشة، ولا صوتًا يعبر في الأثير ثم يمضي؛ إنما هو ذاكرة المجتمع، ومرآة واقعه، ونافذته التي يرى منها ما يجري حوله.
ومن هنا تبدأ الحكاية الصعبة:
أين يقف الإعلام حين يقف في الجهة الأخرى من القرار؟
هل يكون معارضًا لمجرد المعارضة؟
أم مؤيدًا لمجرد أن القرار صدر من صاحب سلطة؟
أم أن له مقامًا ثالثًا أرفع من الخصومة والتبعية؛ مقامًا لا يكون فيه مع هذا أو ذاك، وإنما يكون مع الحقيقة؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل صحفي يحمل القلم، وكل إعلامي يقف أمام الكاميرا، وكل مؤسسة تؤمن بأن للكلمة رسالة تتجاوز حدود اللحظة.
إن الصحافة التي تبحث عن الحقيقة لا تخشى القرار، ولا تقدسه؛ لا تصنع من المسؤول بطلًا معصومًا، ولا تحوله إلى خصم دائم. فهي لا تحاكم الأشخاص، وإنما تفحص الوقائع، ولا ترفع راية الهدم، وإنما تضيء مواضع الخلل كي يمكن إصلاحها.
فالقرار قد يكون صائبًا، وقد يحتاج إلى مراجعة، وقد تكون المشكلة في تنفيذه لا في فكرته، وقد تكون الحقيقة بين روايتين متعارضتين.
وهنا تظهر مهنية الصحفي.
فليس الصحفي من يسبق الناس إلى الخبر فحسب، بل من يسبق نفسه إلى التحقق منه.
وليس المحترف من يملك عنوانًا مثيرًا، وإنما من يملك الشجاعة ليقول: لا أنشر ما لم أتحقق منه.
وليست الجرأة أن تتهم، وإنما الجرأة أن تبحث وتسأل وتراجع وتمنح كل طرف حقه، ثم تكتب ما وصلت إليه بضمير لا تشتريه الشهرة ولا تخيفه السلطة ولا تستدرجه الإثارة.
لقد أصبح الخبر في عصرنا أسرع من الحقيقة أحيانًا؛ تنتقل الجملة في ثوانٍ، وتنتشر الصورة في دقائق، وقد يبني الناس موقفًا كاملًا على معلومة لم تستغرق لحظة واحدة في التحقق.
وهنا يصبح القلم مسؤولية.
فالخبر الكاذب قد يهدم سمعة إنسان، والعنوان المضلل قد يشوه قرارًا، والمعلومة المبتورة قد تخلق خصومة بين مجتمع ومؤسسة، والتسرع الإعلامي قد يجعل من الوهم حقيقة في عقول الناس.
ولهذا فإن الشفافية ليست أن نفتح كل الأبواب بلا ضابط، وإنما أن نفتح للناس الباب الذي يقود إلى الحقيقة.
والشفافية ليست فضحًا، كما أن النقد ليس تشهيرًا، والمعارضة ليست عداءً.
قد يكون النقد الصادق خدمةً لصانع القرار أكثر من مئات عبارات المديح؛ لأن المسؤول الذي يسمع كل شيء كما هو، يستطيع أن يصحح ما يحتاج إلى تصحيح، أما الذي لا يسمع إلا صدى صوته، فقد يكتشف الحقيقة بعد أن يصبح إصلاحها أكثر كلفة.
وهنا ينبغي أن يفهم الإعلام وصانع القرار أن بينهما علاقة لا تقوم على الخوف ولا على المجاملة.
الإعلام المهني لا يريد إسقاط القرار، وصانع القرار الرشيد لا ينبغي أن يخشى من سؤال مهني.
إنما يريد الأول أن يعرف الناس الحقيقة، ويحتاج الثاني إلى أن يعرف الواقع.
وما بين الحقيقة والواقع يولد الحوار.
إن الإعلام الذي يصفق دائمًا يفقد قدرته على التنبيه، والإعلام الذي يعارض دائمًا يفقد قدرته على الإنصاف؛ أما الإعلام الذي يزن الكلمة قبل أن ينطق بها، ويضع المعلومة قبل الموقف، والوقائع قبل الانطباعات، فهو الذي يستطيع أن يكون ضميرًا حيًا في جسد المجتمع.
فالصحفي ليس قاضيًا يصدر الأحكام، ولا محاميًا عن طرف واحد، ولا خصمًا شخصيًا لأحد.
إنه شاهد يبحث عن الحقيقة.
والشاهد العادل لا يغيّر شهادته لأن أحدًا غضب منها، ولا يزينها لأن أحدًا أعجبه سماعها.
ومن هنا فإن أعظم ما يمكن أن يمنحه الإعلام للمجتمع ليس كثرة الأخبار، وإنما الثقة.
فإذا فقد المواطن ثقته في الإعلام، لم يعد يبحث عن الحقيقة؛ بل يبحث عما يوافق هواه. وعندها تتكاثر المنصات، وتتراجع المعرفة، ويصبح كل إنسان صحيفته الخاصة، ومذيعه الخاص، وحقيقته الخاصة.
وهنا لا يعود الخطر في قلة المعلومات، بل في كثرة المعلومات التي لا نعرف أيها يستحق أن نصدقه.
إننا لا نحتاج إلى إعلام أعلى صوتًا، بقدر ما نحتاج إلى إعلام أعمق وعيًا.
ولا نحتاج إلى صحفي يملك ألف عنوان، بقدر ما نحتاج إلى صحفي يملك ضميرًا واحدًا لا يتغير.
فالصحافة ليست مهنة من يكتب فقط، وإنما مهنة من يعرف متى يكتب، وكيف يكتب، ولماذا يكتب.
وإذا كان القرار يحتاج إلى شجاعة في اتخاذه، فإن الإعلام يحتاج إلى شجاعة في مساءلته؛ وإذا كان المسؤول يحمل أمانة القرار، فالصحفي يحمل أمانة الكلمة.
والأمانتان، في جوهرهما، تلتقيان عند شيء واحد:
مصلحة الناس.
القفلة الفلسفية
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به أن نقول:
لا تجعلوا الإعلام سيفًا في يد المعارضة، ولا بوقًا في يد السلطة؛ اجعلوه ميزانًا في يد الحقيقة.
فالسيف قد يجرح، والبوق قد يضلل، أما الميزان فلا يعرف إلا الوزن.
وإذا كان لصانع القرار قلمٌ يوقع به القرارات، فإن للصحفي قلمًا يوقظ به الضمير؛ وبين القلمين وطنٌ كامل، قد ينهض بكلمة صادقة، وقد يتعثر بكلمة كاذبة.
ولهذا سيبقى السؤال الذي ينبغي أن يسكن قلب كل من يمسك قلمًا:
حين أغلق جريدتي، أو تنطفئ كاميرتي، أو يسكت صوتي… هل أستطيع أن أنظر إلى ضميري فأقول: لقد نقلت للناس ما عرفت من الحقيقة، لا ما أراد الآخرون أن أقول؟
فإذا استطاع الصحفي أن يجيب: نعم، فقد أدى رسالته.
وحينها فقط…
لا يصبح الإعلام سلطةً فوق المجتمع، ولا تابعًا لصانع القرار؛ بل يصبح الضمير الذي يذكّر الجميع بأن الحقيقة لا تحتاج إلى حارسٍ أقوى من ضميرٍ لا يباع
حين يصبح القلم ميزانًا


