خطر الصندوق الإسرائيلي
كتب رياض الفرطوسي

يُخطئ الكثيرون في العالم العربي حين يظنون أن صناعة القرار في إسرائيل هي نتاج مؤامرة تُطبخ في غرف مغلقة بعيداً عن رغبة الشارع؛ فالحقيقة الأكثر مرارة، والتي تكشفها مراكز الاستطلاع الإسرائيلية والصحافة العبرية مثل “هآرتس” و”يديعوت أحرونوت”، هي أن هذا المجتمع يعمل وفق آليات ديمقراطية وصندوق اقتراع شفاف، مما يعني أن القيادة الحالية هي الانعكاس الدقيق والمباشر لثقافة الشارع وصوته الحقيقي. هذه الديمقراطية الإجرائية أنتجت مفارقة تاريخية مرعبة، حيث صعدت قوى عقائدية ودينية متطرفة إلى سدة الحكم بصفتها تعبيراً شرعياً عن حركية المجتمع الإسرائيلي وانزياحه المتسارع نحو اليمين القومي الخلاصي، وهي القوى التي لا ترى في خارطة المنطقة سوى رواية توراتية إقصائية تمتد من النهر إلى البحر، ملغيةً بالكامل وجود الآخر أو حقه الإنساني في البقاء والعيش.
وفي هذا المشهد المأزوم، يبرز إيتمار بن غفير كظاهرة سياسية تتجاوز التطرف التقليدي إلى تشويه القيم الإنسانية، حيث تُجمع تحليلات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية (IDI) على أن صعوده لم يكن فلتة شوط، بل ثمرة استثمار طويل في استغلال الهواجس الأمنية للمجتمع وتغذية النزعات العنصرية. يتحول الفعل السياسي مع هذا النموذج من الخصومة السياسية إلى سادية علنية يتلذذ فيها بزيارة المعتقلات لمراقبة سلب الأسرى أدنى حقوقهم الآدمية، والضغط لتشريع قوانين الإعدام، وصولاً إلى استهداف الناشطين الدوليين الساعين لكسر الحصار الإنساني ووصفهم بالمجرمين؛ وهي سلوكيات تضع المجتمع الإسرائيلي نفسه أمام مرآة أخلاقية قاسية تنذر بتقويض مقومات استقراره الداخلي قبل أن تقوض فرص السلام الإقليمي، ليصبح هذا الائتلاف الحاكم خطراً وجودياً على الجميع بما فيهم إسرائيل ذاتها.

