بقلم: أشرف ماهر ضلع
في اكتشاف علمي قد يغير كثيرًا من المفاهيم الراسخة حول تاريخ البشرية، كشفت دراسة حديثة نشرتها دورية PNAS أن العلاقة بين الإنسان العاقل وإنسان النياندرتال لم تقتصر على التعايش أو التزاوج الذي أثبتته الدراسات الجينية، بل امتدت إلى تبادل ثقافي استمر قرابة 20 ألف عام.
واعتمدت الدراسة، التي أجراها باحثون من تركيا وفرنسا واليابان، على حفريات داخل كهف شمالي تركيا، في منطقة المشرق التي شكلت أحد أهم ممرات هجرة الإنسان العاقل من إفريقيا إلى أوراسيا. وأظهرت النتائج أن النياندرتال سكن الكهف قبل نحو 77 ألف عام، بينما بدأ الإنسان العاقل استخدامه قبل نحو 59 ألف عام، مع استمرار استخدام الأدوات الحجرية نفسها، واتباع أساليب الصيد ذاتها، وجمع أنواع متشابهة من الأصداف البحرية.
ومن أبرز ما توصل إليه الباحثون العثور على أصداف بحرية صغيرة لا تصلح للطعام، يُرجح أنها استُخدمت للزينة أو لأغراض رمزية، وهو ما كان يُعتقد سابقًا أنه سلوك يقتصر على الإنسان العاقل. إلا أن اكتشاف الأصداف نفسها في مواقع النياندرتال يفتح الباب أمام فرضية وجود تقاليد ثقافية مشتركة وانتقال للمعرفة والعادات بين المجموعتين.
وأشار الباحثون إلى أن الأدلة الحالية لا تثبت وقوع لقاءات مباشرة بين الإنسان العاقل والنياندرتال، إلا أن التشابه اللافت في الأدوات وتقنيات الصيد والسلوك الرمزي يعزز فرضية التواصل الثقافي عبر الأجيال، بما يتجاوز مجرد تقاسم البيئة أو الموارد.

ويرى علماء الآثار والأنثروبولوجيا أن هذه النتائج تضيف بعدًا جديدًا لفهم تاريخ الإنسان، وتؤكد أن النياندرتال لم يكن كائنًا بدائيًا معزولًا، بل امتلك قدرات ثقافية ورمزية أكثر تطورًا مما كان يُعتقد، الأمر الذي يعيد رسم صورة العلاقة بين النوعين ويكشف أن الحضارة الإنسانية الأولى ربما كانت ثمرة تفاعل وتبادل استمر آلاف السنين.
دراسة تعيد رسم التاريخ.. تواصل ثقافي دام 20 ألف عام بين الإنسان العاقل والنياندرتال

