الرئيسيةفنلماذا بقيت “عدى عليا وسلم” حاضرة في وجدان المستمع العربي؟
فن

لماذا بقيت “عدى عليا وسلم” حاضرة في وجدان المستمع العربي؟

لماذا بقيت “عدى عليا وسلم” حاضرة في وجدان المستمع العربي؟


كتبت: ساهرة رشيد/ العراق

كم مرة كنا في طريق طويل، نركب السيارة نتنقل بين محطات الراديو دون أن نقصد محطة بعينها، حتى يتوقف مؤشر الراديو فجأة عند لحن نعرفه قبل أن نسمع كلماته؟ في تلك اللحظة لا نكمل رحلتنا على الطريق فحسب، بل نبدأ رحلة أخرى إلى الماضي، إلى بيت العائلة وايام الطفولة ، وإلى زمن كانت فيه الأغنية جزءا من تفاصيل الحياة، ترافق السفر واللقاءات والذكريات الجميلة.

من بين تلك الأغنيات التي تمتلك هذه القدرة على إعادة الزمن إلى الحياة، تبرز رائعة الشحرورة صباح “عدى عليا وسلم”. فمنذ أن قدمت عام 1970 ضمن فيلم “نار الشوق”، ما زالت تحتفظ بمكانتها في ذاكرة المستمع العربي، وكأن السنوات لم تستطع أن تنتزع منها بريقها.

وراء هذا العمل يقف لقاء فني استثنائي جمع الشاعر محمد حمزة، والموسيقار بليغ حمدي، وصباح، فكان لكل منهم دوره في صناعة أغنية تجاوزت حدود زمنها، لتبقى حاضرة في وجدان أجيال متعاقبة.
ولست ناقدة موسيقية، فالنقد له أدواته ومدارسه، لكنني واحدة من أولئك الذين يؤمنون بأن الفن الجميل لا يحتاج دائما إلى من يشرحه، بل إلى من يشعر به. ومن هذا الشعور أقترب من “عدى عليا وسلم”، لا لأحللها بقدر ما أتأمل سر بقائها، وكيف استطاعت أن تحافظ على حضورها بعد أكثر من نصف قرن.

أول ما يلفت الانتباه في الأغنية هو عبقرية المحلن الاستاذ بليغ حمدي، الذي لم يقدم لحنا جميلا فحسب، بل رسم بالموسيقى مشاعر الحكاية. يبدأ اللحن بإيقاع خفيف يبعث البهجة، ثم يتدرج بهدوء ليكشف شيئا من الشجن والانتظار، وكأن الجمل الموسيقية تحكي مرور الأيام وثقل الغياب، لكنها لا تستسلم للحزن، بل تبقي نافذة للأمل، وهي السمة التي ميزت كثيرا من أعمال هذا الموسيقار الكبير.

أما الشاعر محمد حمزة، فقد اختار أن يبني قصته من مفردات بسيطة يعرفها الجميع. السكر، والشاي، الرسائل، اوالجوابات، والناي… تفاصيل يومية تبدو عادية، لكنها تتحول بين يديه إلى رموز للدفء والاشتياق والانتظار. ومع تطور الكلمات ينتقل المستمع من عتاب رقيق إلى شوق عميق، حتى تصبح أمنية لقاء الحبيب والسلام عليه أغلى من كل الأشياء، وهي بساطة تحمل في داخلها صدقا يصل مباشرة إلى القلب.
وجاء أداء المطربة صباح ليمنح الأغنية بعدها الإنساني. فقد تنقلت بصوتها بين الفرح والترقب والعتاب بكل عفوية، مستفيدة من مرونة صوتها وحضورها الآسر، فلم يشعر المستمع أنه يستمع إلى أغنية فحسب، بل إلى قصة يعيش تفاصيلها. وربما لهذا السبب بقيت (الشحرورةصباح) حاضرة في هذا العمل، لا بصوتها فقط، بل بإحساسها الذي جعل ملايين المستمعين يجدون شيئا من حكاياتهم في كلمات الأغنية.
ولعل سر خلود “عدى عليا وسلم” لا يكمن في عنصر واحد، وإنما في ذلك الانسجام النادر بين الكلمة واللحن والأداء. فعندما يلتقي شاعر يكتب بإحساس، وملحن يعرف كيف يترجم الكلمة إلى موسيقى، ومطربة تمتلك القدرة على التعبير الصادق، تكون النتيجة عملا يعيش طويلا، ويتجاوز حدود الزمن.
واليوم، ورغم مرور اكثر من نصف قرن وتغير وسائل الاستماع، من أجهزة الراديو إلى المنصات الرقمية، ما إن تبدأ مقدمة “عدى عليا وسلم” حتى تعود بنا الذاكرة إلى زمن مختلف، كانت فيه الأغنية تصنع بعناية، ويحمل كل لحن حكاية، وكل كلمة إحساسا، وكل صوت بصمة لا تشبه سواها.
ربما لهذا السبب، كلما توقف مؤشر الراديو عند هذه الأغنية، لا نفكر في تغيير المحطة، بل نتركها تكمل رحلتها معنا. فبعض الأغنيات لا تعيد إلينا الماضي فقط، بل تذكرنا بأن الفن الحقيقي لا يشيخ، لأنه يسكن الذاكرة قبل أن يسكن الأذن.
وهكذا تبقى “عدى عليا وسلم” أكثر من أغنية ناجحة، إنها صفحة مضيئة من تاريخ الأغنية العربية، وشاهد على زمن اجتمع فيه الإبداع والصدق، ليصنعا عملا ما زال قادرا على أن يبتسم لنا كلما مر صدفة عبر موجات الراديو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *