بينما كانت مكة تظن أنها تقترب من إنهاء الدعوة، كانت الأحداث في مكان آخر تسير في اتجاه مختلف تمامًا. فالتاريخ كثيرًا ما يفاجئ الذين يعتقدون أنهم يسيطرون عليه، ويصنع تحوّلاته الكبرى في أماكن لا يلتفت إليها أحد.
لماذا كانت يثرب مستعدة لما رفضته مكة؟
سلسلة التاريخ من وراء الستار
بقلم / محمد مصطفى كامل
في التاريخ، لا تنتصر الأفكار دائمًا في المكان الذي وُلدت فيه، ولا تجد الرسالات طريقها حيث بدأت أول مرة. فكم من فكرة حوربت في موطنها الأول، ثم وجدت في مكان آخر من يفهمها ويحملها إلى المستقبل.
وهذه واحدة من أكثر المفارقات إثارة في التاريخ الإسلامي.
فبينما كانت مكة، بكل ما تملكه من مكانة ونفوذ، تُضيّق الخناق على الدعوة الجديدة وتغلق في وجهها الأبواب، كانت مدينة أخرى تعيش بعيدًا عن مركز الأحداث تستعد لاستقبال تحول سيغيّر مسار الجزيرة العربية كلها.
لم يكن ذلك نتيجة اتفاق مسبق، ولا تحالف سياسي، ولا حسابات قوة كما اعتادت الأمم أن تصنع مصائرها. بل كان نتاج ظروف تراكمت عبر سنوات، حتى التقت حاجة مدينة أنهكتها الصراعات برسالة جاءت تحمل مشروعًا يتجاوز القبيلة والثأر والانقسام.
ومن هنا يطرح التاريخ سؤالًا بالغ الأهمية!
لماذا أغلقت مكة أبوابها أمام الدعوة، في الوقت الذي فتحت فيه يثرب قلبها لها؟
وما الذي جعل مدينة تعيش أزماتها الداخلية ترى في الرسالة الجديدة فرصة للخروج من ماضيها، بينما رآها سادة مكة تهديدًا لنظامهم القائم؟
خلف هذا التحول قصة تستحق أن تُروى، ليس بوصفها مجرد مقدمة للهجرة، بل باعتبارها واحدة من اللحظات التي بدأ فيها التاريخ يغيّر اتجاهه بصمت.
هناك لحظات في التاريخ تبدو فيها الأحداث وكأنها تتحرك بالصدفة، بينما تكون في الحقيقة نتيجة تراكم طويل من الظروف والتجارب والتحولات التي لا يلاحظها أحد إلا بعد اكتمال الصورة.
فحين ننظر إلى الهجرة النبوية وما تلاها من قيام الدولة في المدينة المنورة، قد يبدو الأمر وكأنه انتقال طبيعي من مكة إلى يثرب. لكن التاريخ حين يُقرأ من وراء الستار يكشف أن السؤال الأهم ليس كيف وصلت الدعوة إلى يثرب؟ بل لماذا كانت يثرب مستعدة لاستقبالها أصلًا؟
فمكة التي خرجت منها الرسالة كانت ترفضها بكل قوة، بينما كانت مدينة أخرى تتهيأ لها دون أن تدرك.
في تلك السنوات كانت يثرب مدينة مختلفة عن بقية مدن الجزيرة العربية.
لم تكن تعيش استقرارًا سياسيًا، ولا وحدة اجتماعية، ولا توافقًا بين قبائلها الكبرى. فقد استنزفتها الصراعات الطويلة بين الأوس والخزرج، وأصبحت الحروب جزءًا من حياتها اليومية.
وكانت معركة بعاث، التي سبقت الهجرة بسنوات قليلة، واحدة من أكثر تلك الصراعات قسوة. انتصر فيها طرف وخسر آخر، لكن الحقيقة أن الجميع خرجوا منها منهكين.
وعندما تصل المجتمعات إلى مرحلة تكتشف فيها أن الانتصار لا ينهي الأزمة، تبدأ بالبحث عن حلول من خارج الأدوات التقليدية التي اعتادت استخدامها.
وهنا بدأ التاريخ يصنع مقدماته بصمت.
ففي الوقت الذي كانت فيه قريش ترى الدعوة الإسلامية تهديدًا لنفوذها ومصالحها الاقتصادية والاجتماعية، كان كثير من أهل يثرب ينظرون إلى الواقع من زاوية مختلفة.
لقد جرّبوا زعماء القبائل.
وجربوا التحالفات.
وجربوا الحروب.
وجربوا الثأر.
لكن شيئًا من ذلك لم ينجح في صناعة مجتمع مستقر.
ولذلك لم يكن سؤالهم كيف نحافظ على ما نملك؟ بل كان كيف نخرج مما نحن فيه؟
وهذا فرق جوهري بين مكة ويثرب.
فالمجتمعات المستفيدة من الوضع القائم غالبًا تقاوم التغيير.
أما المجتمعات التي دفعت ثمن أزماتها طويلًا فإنها تصبح أكثر استعدادًا للاستماع إلى الأفكار الجديدة.
ومن هنا جاءت اللقاءات التي جرت في مواسم الحج.
لم تكن مجرد أحاديث عابرة بين أفراد قدموا من يثرب ورجل يدعو إلى دين جديد.
بل كانت بداية تقاطع بين حاجتين تاريخيتين.
حاجة الدعوة إلى بيئة تحتضنها.
وحاجة المدينة إلى مشروع يوحدها.
وعندما استمع نفر من الخزرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لم يسمعوا فقط كلمات عن العقيدة والعبادة.
بل رأوا احتمالًا جديدًا لمستقبل مختلف.
مستقبل يمكن أن يضع حدًا لدورات الدم التي استنزفت مدينتهم سنوات طويلة.
ومع عودتهم إلى يثرب بدأت الفكرة تنتشر بهدوء.
لا بالسيف.
ولا بالقوة.
ولا بالسلطة.
بل بالحوار والاقتناع الشخصي.
وفي العام التالي عاد عدد أكبر.
ثم جاءت بيعة العقبة الأولى.
ثم أُرسل مصعب بن عمير ليقوم بمهمة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت من أعظم عمليات البناء الفكري والاجتماعي في التاريخ.
فبينما كانت قريش تركّز على مواجهة النبي داخل مكة، كانت يثرب تشهد تغيرًا هادئًا في وعيها الجمعي.
وكانت الدعوة تبني هناك ما هو أخطر على خصومها من أي مواجهة مباشرة.
كانت تبني مجتمعًا جديدًا.
وهكذا قبل أن تبدأ الهجرة فعليًا كانت المدينة قد بدأت تتغير.
وقبل أن يصل المسلمون إليها، كانت القلوب قد فُتحت لاستقبالهم.
وقبل أن تقوم الدولة، كانت الأسس التي ستقوم عليها تُبنى بصمت.
وهنا تكمن إحدى أهم قواعد التاريخ
أن الأحداث الكبرى لا تبدأ يوم إعلانها، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات في العقول والظروف والتحولات التي لا يراها معظم الناس.
فالهجرة لم تكن مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى.
بل كانت نتيجة لحظة نضج تاريخي التقت فيها رسالة تبحث عن وطن، مع مدينة تبحث عن مستقبل.
وفي المقال القادم سنقترب أكثر من تلك اللحظة الفاصلة، حين تحولت الفكرة إلى اتفاق، وتحولت اللقاءات السرية إلى تعهدات علنية، في قصة بيعة العقبة التي مهدت الطريق لأعظم هجرة عرفها التاريخ الإسلامي.

