معادلة الوعي الرقابي.. بين تثمين الإنجاز وسلطة القانون الدستورية
بقلم: محمد سعيد الحداد
وعجبي على مشهد يتكرر في أروقة بعض المؤسسات الحكومية حين يلوح في الأفق تحدٍ إداري أو أزمة خدمية تمس المواطن فيهرع المسؤولون باحثين عن مقالات الصحافة وتحليلاتها لتفكيك المشهد ورسم خطط الخروج وهندسة الحلول
فإذا ما عبرت المؤسسة أزمتها واعتلى البعض منصات الاستقرار توهموا أن دور الصحفي قد انتهى بانتهاء الغرض متناسين أن الحرف الشريف لا يكتب بـ الأجر
بل يكتب بـ الأمانة ووعي المسؤولية الوطنية
إن الصحافة الحقيقية والوعي القانوني لا يتحركان برغبة الانتقام أو تصفية الحسابات بل بصياغة معادلة رقابية منضبطة أساسها الدستور وقوامها مصلحة الوطن
فالقلم المهني يمتلك من النزاهة ما يجعله يقف بكل قوة لتثمين ومساندة المسؤول المخلص الذي يعمل ليل نهار لخدمة المواطن
ويقف بذات القوة والسلطة الدستورية لمحاسبة المسؤول المقصر الذي استغل منصبه وتجاهل الأصول المهنية بعد بلوغ الغايات
فالكراسي زائلة ومتغيرة أما الأثر الرقابي الباقي في الجرائد والسجلات الرسمية فهو التاريخ الذي لا يكذب ولا يجامل
المسؤولية التشاركية واللسان الناطق بحق المواطن
يتحرك العمل الصحفي المنضبط وفق فلسفة تكاملية مع مؤسسات الدولة تقضي بأننا لسان حال المواطن البسيط نبض الشارع وصوته الأمين وبناءً على هذا الالتزام الأخلاقي والمهني تتبلور ملامح العلاقة بين سلطة القلم والجهاز الإداري وفق محددات واضحة لا تقبل التأويل
دستورياً وقانونياً
الصحافة هي السلطة الشعبية الرقابية والحصن المنيع لجميع الأطراف والسيادة للقانون وحده ولا يملك أي مسؤول مهما علا شأنه الحق في تهميش دور القلم أو الالتفاف على التوجيهات الدستورية التي تضمن حرية الرصد وتقييم الأداء البرلماني والتنفيذي بدقة وموضوعية
رقابياً ومهنياً
إن القلم الذي يملك أدوات المساندة والتخطيط واستشراف حلول الأزمات وتثمين جهد المسؤول الناجح يملك بالضرورة أدوات الرصد والتوثيق والمحاسبة
ولذلك وجب التنبيه بأعلى درجات الحسم المهني إلى أن أي محاولة للنيل من هيبة العمل الصحفي أو حجب الحقائق القانونية هي رهان خاسر فلن يتسامح مدادنا مع أي تجاوزات إدارية مهما كان حجمها
اجتماعياً وإنسانياً
العلاقات المبنية على المنفعة اللحظية تنتهي حتما بانتهاء المصلحة أما القيمة الإنسانية الثابتة فتظهر في مبدأ النزاهة الفكرية واحترام الشراكة بين كاتب الرأي وصانع القرار
فالصحافة ترفع القبعة للمسؤول الميداني الذي يحل مشكلات الجماهير وتفتح دفاتر الحساب للمسؤول الجالس خلف المكاتب المغلقة
رؤية القيادة وحسم دولة المؤسسات
وفي هذا الصدد نجد المرجعية الأساسية والدعم المطلق في توجيهات القيادة السياسية حيث جاءت خطابات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي واضحة وحاسمة في ترسيخ قيم الشفافية ومحاربة أي استغلال للنفوذ أو إساءة استخدام للسلطة والموقع الوظيفي
وقد شدد سيادته مراراً وتكراراً على أنه لا يوجد أحد فوق الحساب أو المساءلة وأن دولة القانون في الجمهورية الجديدة لا مكان فيها لمن يظن أن حصانته الإدارية تحميه من عدالة الحساب الإداري والشعبي
إن دور الصحافة ليس التبرير بل التنوير وكشف مواطن الخلل لمساعدة الدولة في البناء وإن الحصانة الحقيقية لأي مسؤول حكومي تنبع من نظافة اليد واستقامة المسار وحفظ حقوق الآخرين المادية والأدبية ومن يجهل هذه القواعد الحاكمة يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع وعي رقابي وصحفي بات أكثر قدرة على فرز الغث من الثمين وتحويل النقد إلى أداة بناء لا هدم
وختاماً
نؤكد أن القلم الذي رسم بالأمس معالم العبور وصاغ حلول الأزمات بمهنية وتجرد لا يزال حراً شريفاً وقادراً بذات المهنية والتجرد على رصد الواقع وتثمين المخلص ومحاسبة المقصر وتدوين فصول الحكاية بكل أمانة ومسؤولية
فالكراسي تتبدل والمناصب تزول ويبقى القا
نون والحق وفاتورة العمل الصالح فوق الجميع
معادلة الوعي الرقابي.. بين تثمين الإنجاز وسلطة القانون الدستورية


