الرئيسيةمقالاتمنصات التواصل.. من “الترابط” الاجتماعي إلى “التناحر” الرقمي
مقالات

منصات التواصل.. من “الترابط” الاجتماعي إلى “التناحر” الرقمي

منصات التواصل.. من “الترابط” الاجتماعي إلى “التناحر” الرقمي

بقلم / نعمة حسن

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد شاشات زجاجية نطلّ من خلالها على العالم، بل تحولت في عمقها إلى مسارح مكشوفة، تُعرض عليها أدق تفاصيل الحياة اليومية والخصوصيات البشرية. في هذا الفضاء الافتراضي، لم يعد المنشور مجرد كلمات عابرة؛ بل غدا وثيقةً تُبطن النوايا، وتحمل في طياتها رسائل مشفرة، وغاياتٍ موجهة بصورة تثير خلفها زوابع من التأويل والتربص.

لقد تحول الفضاء الرقمي من أداة لتقريب المسافات إلى ساحة لتصفية الحسابات الإنسانية والاجتماعية. وإذا أردنا تشريح هذه الظاهرة التي باتت تتصدر المشهد اليومي في مجتمعاتنا، يمكننا تصنيف هذه المنشورات الافتراضية إلى أنماط سلوكية باتت تتكرر في كل بيت:

أولاً: منشورات “العائلة النار” (التلقيح الرقمي)

هذا النمط هو الأكثر شيوعاً، والأشد فتكاً بالروابط الأسريّة. يبدأ المنشور في ظاهره كحكمة مأثورة، أو نصيحة عامة، أو دعاء بالصلاح. لكنه في الحقيقة يحمل قبساً من نار متقدة تحت الرماد؛ إذ تعمد إحدى الشخصيات—نتيجة خلاف صامت—إلى إسقاط كلمات حادة تجذب الأطراف المعنية كالمغناطيس، لتدق بذلك جرس الحرب العائلية.

خلف الشاشات، تبدأ الملحمة فوراً؛ تتحول البيوت إلى غرف عمليات، حيث تُحلل العبارات، وتُفسر الإيماءات، وتُستدعى التراكمات القديمة. وسرعان ما تنتقل ساحة المعركة إلى التعليقات (الكومنتات)؛ فبين تعليقٍ يحمل السم في طياته، وإعجابٍ (لايك) صامت يترقب الانفجار، وتعليقات غامضة تزيد الحطب ناراً من أطراف تسعى للإفساد، تشتعل الأزمة. أما من فاته المشهد، فإن لقطات الشاشة (الـ Screenshots) تتكفل بنقل المعركة إلى المجموعات الخاصة، لتتحول النصيحة المفترضة إلى مأدبة عائلية عامة تُمزق صلة الأرحام.

ثانياً: منشورات “المنفسنة” (الغيرة المكبوتة)

في هذا النمط، تظهر المنشورات فجأة وبدون مناسبة واضحة، مدفوعة بوازع من الغيرة والمقارنة الاجتماعية. بمجرد أن تعلن إحدى الصديقات عن نجاح، أو زواج، أو سفر، أو اقتناء سيارة، تنبري الأخرى بنشر حكم ثقيلة مستعارة للتجريح المبطن، كقولهم: “ليس كل ما يلمع ذهباً.. فهناك رخيص يبرق”!

تدرك الفئة المستهدفة المغزى بدقة، وتبدأ المساجلة بالردود الدبلوماسية الحادة من عينة “ربما يرزق الله كل امرئ على قدر نيته”. وتأخذ المعركة أبعاداً تصاعدية عندما يتدخل المتابعون بالتحجيم والتحريض، حتى يضيق ذرع صاحب الشأن، فيخرج في بث مباشر (لايف) ليعلن بعبثية: “أنا لا أقصد أحداً، ولكن من على رأسه بطحة يحسس عليها”، في مشهد يعكس عمق الهشاشة النفسية والاجتماعية.

ثالثاً: منشورات “الإكس” (اجترار الماضي وبقايا العلاقات)

تمثل هذه المنشورات حالة من العجز عن تجاوز الماضي؛ حيث يعمد أحد الأطراف إلى تتبع الحساب الشخصي لشريكه السابق، بالرغم من دخول الأخير في ارتباط جديد. تبدأ المراقبة الحثيثة لعلامات التواجد الرقمي (Active Now)، ومقارنة أوقات الظهور بين الأطراف، في محاولة بائسة لربط الخيوط وتفسير التحركات.

يتطور الأمر من مجرد تفاعل عابر أو إعجاب متأخر إلى حالة من التراشق المبطن بين ماضٍ يرفض الرحيل وحاضر يدافع عن وجوده. وحتى في حال استخدام خاصية الحظر (البلوك)، يتم الالتفاف عليها بإنشاء حسابات وهمية متعددة لغرض المراقبة اللصيقة؛ وهي الظاهرة السلوكية التي دفعت إدارات المنصات العالمية لتطوير ميزات حماية الخصوصية وقفل الملفات الشخصية للحد من هذا التطفل الممنهج.

رابعاً: منشورات “المعجبة” (تضخيم الوهم)

تجسد هذه الحالة الاندفاع العاطفي وسوء تأويل اللفتات العابرة؛ إذ بمجرد أن يوجه أحد الأطراف كلمة ثناء أو مجاملة لطيفة، تبدأ عملية تقصٍّ وتحليل شاملة لملفه الشخصي منذ نشأته. تتحول الضحية هنا إلى محقق جنائي يراجع التعليقات، ويحلل طبيعة العلاقات، ويفكك شبكة الأصدقاء والأقارب، لتنصب نفسها—في مخيلتها فقط—وصيّاً ومحاسباً على حياة شخص لم يتخذ خطوة رسمية واحدة، ولم يتقدم لخطبة أو تعارف حقيقي. إنها حالة من العيش في فضاء الخيال والوقوع في أسر الوهم الرقمي.

خامساً: منشورات “النصيحة والزهد المفتعل”

تتجلى المفارقة هنا في نشر المواعظ الدينية والحكم الأخلاقية من قِبل أشخاص قد يفتقرون في حياتهم الواقعية لتطبيق هذه القيم، أو يعانون من أمية تقنية تجعلهم يستعينون بأبنائهم لإتمام عملية النشر والتوزيع بشكل متكرر ومربك.

ومن أبرز تجليات هذا النمط، تلك المنشورات التي يكتبها كبار السن بدافع العزلة أو استدرار العطف، مثل: “اللهم أحسن ختامنا، أشعر بقرب النهاية” أو “تعبت من الدنيا ولا أحد يشعر بي”. والمفارقة الساخرة تكمن في أن الزوج والزوجة قد يكونان جالسين في الغرفة ذاتها، تفصل بينهما أمتار قليلة، ويتبادلان العتاب عبر التعليقات والمنشورات الافتراضية! لتدخل زوجة الابن أو أحد الأقارب بتعليق يحمل تأويلاً جديداً: “لا أحد يتعب بلا سبب!”، لتنقلب اللحظة الوجدانية إلى أزمة عائلية جديدة ومولد مشتعل من الاتهامات والمواساة المصطنعة.

مآل المشهد: التناحر بديل التلاحم

إن المأساة الحقيقية تكمن في أننا استبدلنا استخدام التكنولوجيا بعقولنا ووعينا، فتنازلنا طواعية عن النضج الاجتماعي لحساب المشاهدات والتفاعل المؤقت. تحولت هذه المنصات من وسائل لبناء الجسور وتوطيد العلاقات إلى أدوات لهدم البيوت، وإفشاء الأسرار، وتعرية الخصوصيات التي كان يُفترض أن تُصان وتُستر خلف الأبواب المغلقة.

لقد تراجع التماسك الأسري أمام رغبة الانتصارات الافتراضية الزائفة، وأصبحت النتيجة الحتمية لهذا السلوك هي “التناحر الاجتماعي” بدلاً من “التواصل الاجتماعي”؛ حيث غدت سهام التعليقات تصيب القلوب وتثخنها بالجراح، في فضاء كان يُفترض به أن يجمع البشر لا أن يمزق صلاتهم.

عودوا أيها الرفاق فالحياة أصبحت لا تتسع للتناحر مابين الواقع والمواقع .

مع تحياتي ..

نعمة حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *