ميلادُ الهدى
يا ليلةَ الميلادِ يا فجرَ الهدى
يا مشرقَ الأنوارِ بعدَ العَسْرِ
في مكةَ الغرّاءِ أشرقَ مولدٌ
فغدتْ ربوعُ الأرضِ في طهرِ
وُلدَ الأمينُ المصطفى متبسّمًا
فغدا الزمانُ منيرَ دربِ الخيرِ
محمدٌ، خيرُ البريةِ كلِّها
وسراجُ حقٍّ مشرقٌ في الدهرِ
صلّى عليه اللهُ ما هبّت صَبا
وتعطّرتْ بالذكرِ أفواهُ البشرِ
نشأ اليتيمُ، وكان ربُّك حافظًا
يرعاهُ في لطفٍ عظيمِ القدرِ
فشبَّ أمينًا، ما عُرفْتَ خيانةٌ
منه، ولا عُرفَتْ عليه يدُ الغدرِ
حتى غدا بينَ القومِ خيرَ أمينِهم
فدعوهُ: أمينَ القومِ في السرِّ والجهرِ
ولما أتى جبريلُ في غارِ الهدى
نادى: اقرأْ، فاهتزَّ قلبُ الطهرِ
بدأتْ رسالةُ رحمةٍ للناسِ، فانـ
ـهارَ الظلامُ وهاجَ نورُ الفجرِ
دعا إلى التوحيدِ، أحيى بالهدى
قلبَ الضعيفِ، وأيقظَ الفكرِ
وصبرَ حينَ تكاثرتْ أحزانُه
وتكالبتْ حولَ الرسالةِ شرُّهم
ما لانَ عزمُ المصطفى في دعوةٍ
بل ظلَّ ثابتَ همةٍ وصبرِ
آذوهُ، لكنه دعا برحمةٍ
لم ينتقمْ، بل كان عنوانَ البرِّ
في الطائفِ المكلومِ عادَ ولم يقلْ
إلا رجاءَ اللهِ ربِّ الخيرِ
ثم أتاهُ اللهُ بالإسراءِ، في
ليلٍ عظيمٍ فاقَ كلَّ تصورِ
من المسجدِ الأقصى إلى أفقِ العلا
كان اللقاءُ بعالمٍ مستنيرِ
ثم الهجرةُ الكبرى، وفيها قصةٌ
تبقى على مرِّ الزمانِ كعطرِ
تركَ الديارَ، وفي الفؤادِ حنينُه
ومضى بثقةِ مؤمنٍ لا يَفترِ
وبنى المدينةَ بالإخاءِ، فأصبحتْ
دارَ المحبةِ، موطنَ المتآخي
وأقامَ بالعدلِ القويمِ دولةً
لا بالظلمِ، ولا بسيفِ التجبّرِ
كان الضعيفُ لديهِ عزيزَ مكانةٍ
وكان حقُّ الناسِ فوقَ التقديرِ
يمشي في الأسواقِ بينَ أصحابه
متواضعًا، كالنورِ بينَ البشرِ
إن جاءهُ طفلٌ حناهُ بحبِّه
وإذا أتى مسكينُهُ لم يَزدرِ
وإذا أتاهُ السائلونَ أجابهم
وبذلَ العطاءَ بلا حسابٍ أو مَنِّ
كان الرحومَ على اليتامى والأذى
والحلمُ في أخلاقهِ كالبحرِ
حتى إذا جاءَ الفتحُ، يومَ تمكّنَتْ
للمصطفى راياتُهُ في النصرِ
دخلَ الحرمَ المكيَّ، وهوَ قادرٌ
فغدا التواضعُ رايةَ الفتحِ
ما قال: هذا يومُ ثأري وانقضى
بل قال بالعفوِ الكريمِ وبالصفحِ
فتبدّدَتْ أحزانُ أعوامٍ مضتْ
وسما التسامحُ فوقَ كلِّ فخرِ
يا من أتمَّ اللهُ فيهِ مكارمًا
يا رحمةً للعالمينَ إلى الأبدِ
علّمتَنا أنَّ القوةَ أخلاقُها
وأنَّ نصرَ الحقِّ ليسَ بالتجبّرِ
حتى أتتْ أيامُهُ الأخيرةُ، فارتـ
ـجفتِ القلوبُ من الفراقِ المرِّ
نظرَ الصحابةُ، والدموعُ عيونُهم
والحبُّ يملأُ كلَّ قلبٍ حائرِ
ثم استراحَ المصطفى في رحمةٍ
عندَ الإلهِ، وصعدَ طيبُ الذكرِ
ماتَ النبيُّ، وما ماتتْ رسالتُهُ
فالحقُّ حيٌّ خالدٌ في الدهرِ
تركَ الكتابَ، وتركَ فينا سنّةً
تهدي القلوبَ إلى طريقِ الخيرِ
يا ربِّ صلِّ على النبيِّ وآلهِ
والصحبِ ما غنّى الحمامُ على الشجرِ
صلّى عليه اللهُ في عليائهِ
ما لاحَ بدرٌ في سماءِ السحرِ
يا ربِّ اجمعنا بهِ في جنةٍ
في زمرةِ المختارِ خيرِ البشرِ
محمدٌ يا رحمةً مهداةً،
ويا نورَ حقٍّ خالدًا في كلِّ عصرِ
للكاتب والشاعر
صلاح على قطب زهران
ميلادُ الهدى

