هندسة الخوف في الشرق الأوسط

هل الصراع هو الهدف أم وسيلة للسيطرة؟
منذ أكثر من أربعة عقود، يعيش الشرق الأوسط في حالة شبه دائمة من التوتر والحروب والأزمات. تتغير الأسماء والوجوه والعناوين، لكن المشهد العام يبقى كما هو: صراعات لا تنتهي، مخاوف تتجدد، وشعوب تدفع الثمن بينما تستمر القوى الكبرى والإقليمية في إعادة رسم خرائط النفوذ.
يرى البعض أن جذور هذا المشهد تعود إلى نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، عندما نجحت الثورة الإيرانية عام 1979 وعاد آية الله الخميني من منفاه في فرنسا ليقود إيران نحو مرحلة جديدة من تاريخها. ومنذ ذلك الوقت أصبحت إيران لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، وبدأت مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي والأمني امتدت آثارها إلى معظم دول الشرق الأوسط.
وبعد أشهر قليلة من استقرار النظام الجديد، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات كاملة. كانت واحدة من أطول وأعنف الحروب في تاريخ المنطقة الحديثة. ملايين الضحايا والجرحى، وخسائر اقتصادية هائلة، وموارد ضخمة أُهدرت كان من الممكن أن تُوجه للتنمية والبناء.
ومن منظور سياسي نقدي، يرى بعض المحللين أن تلك الحرب لم تكن مجرد نزاع حدودي أو أيديولوجي، بل شكلت عملية استنزاف طويلة الأمد لقدرات دولتين كبيرتين في المنطقة. خرج العراق مثقلًا بالديون والأعباء الاقتصادية، بينما تحملت إيران هي الأخرى تكلفة بشرية ومادية ضخمة. وفي النهاية لم يكن هناك منتصر حقيقي بقدر ما كانت هناك منطقة أكثر إنهاكًا وضعفًا.
لكن المثير للتأمل أن حالة الخوف لم تنتهِ بانتهاء الحرب. فمع كل مرحلة تاريخية كانت تظهر أزمة جديدة تحل محل الأزمة السابقة. وكأن المنطقة انتقلت من حرب إلى أخرى دون أن تحصل على فرصة حقيقية للاستقرار. فمن الحرب العراقية الإيرانية إلى أزمات الخليج، ثم إلى الحروب الإقليمية والصراعات الممتدة، ظل الشرق الأوسط يعيش تحت ظلال التهديد الدائم.
واليوم يُطرح الملف الإيراني مرة أخرى باعتباره أحد أخطر ملفات المنطقة. فالعالم يشاهد توترات مستمرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وتُقدم هذه المواجهة على أنها صراع وجودي لا يقبل التسوية. ومع ذلك يلاحظ البعض أن الصراع، رغم شدته الظاهرة، يستمر لعقود دون أن يصل إلى نقطة الحسم الكامل.
ومن هنا تظهر فرضية سياسية مثيرة للجدل: هل أصبح استمرار التوتر نفسه مصلحة لبعض الأطراف؟ وهل تحولت حالة الخوف إلى أداة من أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي؟
وفق هذا التصور، فإن وجود تهديد دائم يدفع الدول إلى البحث المستمر عن الحماية والتحالفات والتسلح، ويجعل الأمن أولوية تتقدم على التنمية. وهكذا يصبح الخوف عنصرًا مؤثرًا في صناعة القرار السياسي والاقتصادي في المنطقة.
ولا يشترط هذا التحليل وجود اتفاقات سرية أو مؤامرات خفية بين جميع الأطراف، بل يفترض أن المصالح المتشابكة قد تؤدي عمليًا إلى النتيجة نفسها: استمرار الصراع دون حسم نهائي. فالأزمة المستمرة تمنح الجميع أوراق ضغط ونفوذًا وتأثيرًا، بينما يبقى المواطن العادي هو الطرف الذي يتحمل التكلفة الأكبر.
لقد تغيرت أسماء الخصوم خلال العقود الماضية، لكن آلية إدارة المشهد تبدو متشابهة إلى حد بعيد. عدو يرحل، وعدو آخر يظهر. أزمة تنتهي، وأزمة جديدة تبدأ. أما الخوف فيبقى حاضرًا كأنه الثابت الوحيد في معادلة الشرق الأوسط.
وربما يكون السؤال الأهم ليس: من ينتصر في هذه الصراعات؟ بل: من يستفيد من استمرارها؟
فالتاريخ يعلمنا أن بعض الحروب تُخاض لتحقيق النصر، بينما توجد صراعات أخرى يبدو أن قيمتها الحقيقية تكمن في بقائها واستمرارها. وبين هذين النموذجين يقف الشرق الأوسط منذ عقود، باحثًا عن سلام حقيقي لم يأتِ بعد، وعن مستقبل تُدار فيه الثروات من أجل التنمية لا من أجل الخوف.
ويبقى السؤال الفلسفي مفتوحًا أمام الجميع: هل كانت صراعات المنطقة مجرد مواجهات فرضتها الظروف، أم أن الخوف نفسه أصبح صناعة سياسية قائمة بذاتها؟
هذا الشكل أقرب إلى مقال رأي سياسي وفلسفي متماسك، يبدأ من الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية ثم ينتقل إلى المشهد الحالي وينتهي بسؤال فكري قوي يترك أثرًا لدى القارئ.
مقال الكاتب والشاعر
صلاح على قطب زهران
هندسة الخوف في الشرق الأوسط

