أعمالكم تكتب آثاركم

ليست قيمة الإنسان فيما يملك، وإنما فيما يتركه من أثر في حياة الناس. فهناك من يرحل فلا يشعر أحد بغيابه، وهناك من إذا غاب انكشف للناس كم كان يحمل عنهم من هموم، وكم كان يسد من حاجات، وكم كان يجبر من خواطر.
كان فضيلة الشيخ محمود حسن شلقامي واحدًا من هؤلاء. لم يكن مجرد فقيه يعلم الناس أمور دينهم، ولا مجرد رجل بر وإحسان، بل كان صاحب بصيرة بالناس، يعرف ما يصلحهم، ويدرك كيف يحفظ كرامتهم، ويعينهم دون أن يجرح مشاعرهم.
كان رحيمًا رفيقًا، ينظر إلى الإنسان قبل أن ينظر إلى حاجته، ويضع كل رجل في المكان الذي يناسبه، باحثًا عما ينفع الناس ويعلي من شأنهم. وكان يعلم أن بين الناس من تأبى نفسه أن يمد يده طالبًا العون، وأن الكرامة عنده أغلى من المال، فكان يبحث له عن عمل، ولو كان يسيرًا، ليكسب رزقه بعرق جبينه، ويحفظ ماء وجهه، ويعيش عزيزًا كريمًا.
ولذلك، لم يكن كثير ممن أحسن إليهم يتحدثون عن فضله، لأن ستره لهم كان جزءًا من إحسانه. فلما رحل، انكشف ما كان يخفيه من أعمال الخير، وظهرت فراغات لم يكن أحد يشعر بها وهو بين الناس. عندها أدرك الجميع أن وراء هذا الرجل أبوابًا كثيرة من الرحمة كانت مفتوحة، فلما أغلقت، وجد بعض الناس أنفسهم في ضيق لم يعرفوا له مخرجًا.
هكذا يكون الصالحون؛ حياتهم رحمة تمتد إلى القريب والبعيد، وغيابهم لا يكون فقدًا لشخص فحسب، بل فقدًا لعطاء، ورحمة، وحكمة، وقلوب كانت تأوي إليها نفوس كثيرة. وما أشد حاجة مجتمعاتنا إلى رجال من هذا الطراز، يحملون هموم الناس، ويجبرون خواطرهم، ويقضون حوائجهم، ويصلحون بينهم، ويجعلون من خدمة الخلق طريقًا إلى رضا الخالق.
إن خير الناس هم أنفعهم للناس، وأعظم الأعمال عند الله أن تدخل السرور على قلب مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تحفظ له كرامته. وهذه المعاني كانت واضحة في سيرة الشيخ محمود، فلم يكن يسعى إلى شهرة، ولا ينتظر ثناءً، وإنما كان يعمل بصمت، ويترك أثرًا لا تمحوه الأيام.
لقد كان رحيل الشيخ محمود حسن شلقامي مصيبة على كثيرين، ليس لأنهم فقدوا رجلًا صالحًا فحسب، بل لأنهم فقدوا قلبًا رحيمًا، وعقلًا حكيمًا، ويدًا كانت تمتد بالعون دون منٍّ أو أذى. وتعرض بعض الناس بعد وفاته لابتلاءات ونكبات؛ لأن من كان يحمل عنهم الأعباء ويرعى شؤونهم قد مضى إلى ربه، ولم يجدوا من يكمل الطريق بنفس الرحمة والحكمة.
رحم الله الشيخ محمود حسن شلقامي رحمة واسعة، وجزاه عن كل معروف صنعه، وعن كل قلب جبره، وعن كل إنسان حفظ كرامته، خير الجزاء. ونسأل الله أن يأجرنا في مصيبتنا، وأن يخلف علينا بخير، وأن يكثر في أمتنا أمثال هؤلاء الرجال الذين أحبوا الناس، فسخروا حياتهم لخدمتهم، فكتب الله لهم حسن الذكر في الدنيا، ونسأله سبحانه أن يكتب لهم عظيم الأجر في الآخرة.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12]. فطوبى لمن ترك بعده أثرًا طيبًا، ودعوة صادقة، وذكرًا حسنًا لا ينقطع.
بقلم على محمد جمال
أعمالكم تكتب آثاركم

