الخدعة في الحرب
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم بُعده عن الغدر ولو مع الأعداء، وتنفيره الشديد من الغدر، فقد أجاز الخدعة في الحرب وقال صلى الله عليه وسلم ” الحرب خدعة ” رواه البخاري، ومن الخديعة في الحرب مفاجأة العدو وأخذه على غرة قبل أن يستعد للقتال، وما شابه ذلك من الحيل، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يبعث بسرايا كثيرة فيوصيهم بالسير ليلا والاستخفاء نهارا حتى يباغتوا عدوهم، والخدعة في الحرب لا تكون بنقض عهود أو مواثيق، وقال النووي “اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن الخداع، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل” فالغدر ونقض العهود ليس من أبواب الحيلة والخداع الجائز في الحروب، وإن الناظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بعين البصيرة والإعتبار يعلم علم اليقين، أن خلق التواضع كان خلقا ملازما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه من الأخلاق التي ينبغي على المسلم أن يتحلى بها ويحرص عليها.
هو إقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم كي ينال خيريّ الدنيا والآخرة، وحسن الخلق، ولين الجانب، وطيب العشرة، صفات أجمع العقلاء على حسنها، وفضل التخلق بها، وقد توافرت الأدلة الشرعية على مدح الأخلاق الحسنة، والحض عليها من ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “إن من أحبكم إلىّ أحسنكم أخلاقا” رواه البخاري، وقد كان رسول الله صلى عليه وسلم أحسن الناس سمتا وأكملهم خُلقا وأطيبهم عشرة، وقد وصفه سبحانه بذلك فقال تعالي “وإنك لعلى خلق عظيم” فما من خصلة من خصال الخير إلا ولرسول صلى الله عليه وسلم أوفر الحظ والنصيب من التخلق بها وقد وصف الصحابة حسن خلقه صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسع الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة ” رواه الترمذي.
والعريكة هي الطبيعة، ووصفه الله تعالى بلين الجانب لأصحابه فقال تعالي ” فبما رحمة من الله لنت لهم ” ففي معاشرته صلى الله عليه وسلم لأصحابه من حسن الخلق ما لا يخفي، فقد كان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويقبل الهدية ممن جادت بها نفسه، ويكافئ عليها، وروى الحاكم وغيره عن زيد بن سعنة وهو من أجلّ اليهود الذين أسلموا أنه قال “لم يبقي من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه هل يسبق حلمه جهله؟ ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرا إلى أجل فأعطيته الثمن، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته، فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ، نم قلت ألا تقضيني يا محمد حقي، فوالله إنكم يا بني عبدالمطلب مطل، فقال عمر أي عدوّ الله، أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع؟
فوالله لولا ما أحاذر قسوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم، ثم قال ” أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر، فاقضه حقه، وزده عشرين صاعا مكان ما رُعته” ففعل، فقلت يا عمر، كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما فقد اختبرتهما، أشهدك أني قد رضيت بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيّا، وإعلموا أن خلق التواضع كان سمة ملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته كلها، في جلوسه وفي ركوبه وفي أكله وفي شأنه كله ففي أكله وجلوسه نجده صلى الله عليه وسلم يقول ” إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد” رواه ابن حبان، وفي ركوبه صلى الله عليه وسلم يركب ما يركب عامة الناس، فركب صلى الله عليه وسلم البعير والحمار والبغلة والفرس.
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف” رواه الترمذي، وعن قيس بن أبي حازم قيال أن رجلا أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام بين يديه فأخذته رعدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “هوّن عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد” والقديد هو اللحم المجفف، وهذا من تمام تواضعه صلى الله عليه وسلم حيث بين له أنه صلى الله عليه وسلم ليس بملك، وذكر له ما كانت تأكله أمه لبيان أنه رجل منهم ، وليس بمتجبر يُخاف منه.
الخدعة في الحرب


