المقالات

الدكروري يكتب عن أسألك أن تردني فأقتل فيك ثانية

الدكروري يكتب عن أسألك أن تردني فأقتل فيك ثانية

بقلم / محمـــد الدكـــروري

لقد أبعد الله سبحانه وتعالي عن عباده اليأس والقنوط من رحمته في دار الفناء ما داموا أحياء ونبهنا إلى ذلك في أكثر من آية كريمة في القرآن الكريم كما في قوله تعالى ” ورحمتي وسعت كل شيء ” وروي عن جابر بن عبدالله قال أصيب أبي يوم أحد فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وجعلوا ينهوني ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاني، قال وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه” فما أحسن هذا العزاء، وما أكرم تلكم المواساة، وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى جابر وقال “ما لي أراك منكسرا مهتما؟” قال يا رسول الله، قتل أبي وترك دينا وعيالا، فقال “ألا أخبرك؟ ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا،

فقال يا عبدي، سلني أعطك، قال أسألك أن تردني فأقتل فيك ثانية” قال إنه قد سبق مني أنهم لا يردون إليها ولا يرجعون، قال يا رب، أبلغ من ورائي، فأنزل الله تعالى فى سول آل عمران ” ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون” وكذلك نزلت آيات من سورة آل عمران فيها عزاء ومواساة للمؤمنين على ما أصابهم في هذه الغزوة من بلاء شديد، فقد شجع الله عباده المؤمنين، وقوى عزائمهم، وأنهض هممهم، فقال تعالى ” ولا تهنوا ولا تحزنوا” أي لا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في قلوبكم، عندما أصابتكم المصيبة وابتليتم بهذه البلوى، فإن الحزن في القلوب والوهن على الأبدان زيادة مصيبة عليكم، وأعون لعدوكم عليكم، بل شجعوا قلوبكم وصبروها وادفعوا عنها الحزن، وتصلبوا على قتال عدوكم.

فأنتم الأعلون في الإيمان ورجاء نصر الله وثوابه، ثم سلاهم بما حصل لهم من الهزيمة، وبيّن الحكم العظيمة المترتبة على ذلك، كمداولة الأيام بين الناس في هذه الدنيا، وتمحيص المؤمنين، واتخاذ شهداء من بينهم، فكان في هذه الآيات العظيمة وغيرها أعظم مواساة للمؤمنين، وأفضل تسلية لنفوسهم وعزاء لأحزانهم، فانكشف عنهم الهم والغم، واستعادوا قوتهم واتزانهم، وفي هذا تعليم الله عز وجل عباده هذا الخلق السامي، والأدب الراقي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال “ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس” قيل يا رسول الله ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟ قال “إن أبواب الخير لكثيرة التسبيح والتحميد، والتكبير والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى وتدلُ المستدل على حاجته.

وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك” رواه أحمد، والنسائي، وابن حبان، وإنه لمن العجب العجاب أن يكون في أمة الرحمة قساة قد طمسوا مفهوم المواساة من معاجمهم، حتى ماتت قلوبهم، فلا يئنون لمتألم، ولا يتوجعون لمستصرخ، ولا يحنون على بائس، فقد قست قلوبهم، وغلظت أكبادهم، في حين أن الواجب على الأمة المسلمة ألا تعظم الدنيا ودينارها ودرهمها، وتغفل عن يتيمها وذي المتربة فيها، حتى لا تستعبدها معاني الانحراف في النظرة إلى المال والحياة والعاطفة تجاه الغير لأن مثل ذلكم كفيل في أن يكنز الغني مالا، فيكنز الفقير عداوة، فلا يأخذ القوي حينئذ بيد الضعيف، ولا يشد المقتدر من أزر العاجز، فيضيع الضعفاء المعوزون وسط الزحام، ثم تسحقهم أقدام القسوة والتغافل المقيت، فإن أمة هذه حالها لا يمكن أن تغلب عدوها لأنها لم تستطع قبل ذلك أن تغلب هواها وشهوات نفسها.

الدكروري يكتب عن أسألك أن تردني فأقتل فيك ثانية

اكمل القراءة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار