الرئيسيةمقالاتالعراق بين البناء والانتماء
مقالات

العراق بين البناء والانتماء

العراق بين البناء والانتماء

كتب رياض الفرطوسي

منذ فجر التاريخ، لم تكن جغرافيا العراق مجرد خطوط ترسمها الخرائط، بل كانت (قدراً) يكتب بمداد دجلة والفرات، وتاريخاً يتدفق في عروق بلاد الرافدين ليجعل منها قلب الشرق النابض وعقله المفكر. إن علاقة العراق بمحيطه العربي والإقليمي ليست مجرد روابط دبلوماسية عابرة أو مصالح تجارية آنية تحكمها تقلبات السياسة، بل هي ارتباط وجودي تتداخل فيه الهوية بالضرورة، ويتحول فيه الجوار الجغرافي إلى تلاحم مصيري لا فكاك منه. وفي فلسفة السياسة، حين طرح المفكر الألماني (كارل ريتر) فكرته بأن الدولة كائن حي ينمو ويتنفس من خلال مجاله الجغرافي، كان العراق تجسيداً حياً لهذه النظرية؛ فرئته الاستراتيجية تمتد في عمق جواره، وأمنه القومي يرتبط ارتباطاً عضوياً باستقرار محيطه من المنابع إلى المصبات، فأي خلل في استقرار المنطقة يرتد صداه سريعاً في بغداد. هذه الحتمية الجغرافية والتاريخية فرضت على العراق أن يكون البوابة الشرقية والحارس التاريخي لحضارة المنطقة، وفي الوقت نفسه، أن تظل جذوره ممتدة في عمق أمته.

لكن هذا القدر الجغرافي العظيم واجه في العصر الحديث مأساة وجودية تفوق الوصف؛ فقد عاش العراقيون عقوداً طويلة لجيل لم يذق طعم الاستقرار لمرة واحدة. كبر هذا الجيل وهو يحمل في داخله حالة طوارئ دائمة، ينام على قلق ويستيقظ على مجهول، بعد أن سرقت الحروب، والحصار الجائر، والتحولات السياسية العاصفة، والاحتلال، والتفجيرات، والقتل على الهوية، والسبي، والنزوح، أحلامه وأعمار أبنائه. لقد تحولت العقول بفعل هذا الضغط المستمر إلى ما يشبه العقول المستنفرة في حالة دفاع دائم، وكأن الإنسان العراقي طريدة تبحث عن لحظة أمان في وطن لم يمنحه الزمن فرصة ليلقط أنفاسه. إنها ليست قصة جيل عابر، بل شهادة أمة تستحق أن تُروى بصدق لتعرف الأجيال القادمة حجم الثمن الباهظ الذي دفعه العراقيون، وكيف استطاعوا، رغم هذا الركام كله، أن يبقوا واقفين كأشجار النخيل التي لا تنحني للعواصف.

وفي قراءة سيكولوجية وتاريخية لهذا الواقع، نجد أنه في المسرح اليوناني القديم، كانت الكارثة الواحدة هي نقطة الختام؛ حدثاً فاجعاً واحداً كحرب طروادة، ثم يأتي الخلاص ليطهر النفس من خلال الخوف والشفقة. وفي مسرح شكسبير، كانت المأساة تدور غالباً حول سقوط رجل نبيل واحد بسبب خطيئة تراجيدية واحدة كطموح ماكبث أو تردد هاملت. أما في العراق، فإن المأساة ليست حدثاً عابراً يتبعه تطهير، بل هي بنية مستمرة وحدث متكرر ومتداخل، يجعلنا نحتاج إلى مئة شكسبير لتجسيد هذا الواقع الذي يعجز الخيال عن الإحاطة به. وحسب كل العلوم والتجارب الإنسانية، فإنه من المستحيل أن يعيش شخص واحد وسط هذه البيئة المشوهة دون أن يناله نصيب من أذاها، لأن البيئة المضطربة لا تخلق بشراً أسوياء بسهولة، بل لا تتساهل مع الأصحاء، حتى غدا العراق في فترات معينة أشبه بمستشفى نفسي كبير يتشارك الجميع فيه جراح الصدمات المتلاحقة. إن التذكير بهذا التاريخ المتسلسل والمنطقي هو ضرورة ملحة، لأننا أحياناً نفقد حلقات السلسلة ونظن خطأً أن الحدث الأخير جاء من فراغ، بينما الحقيقة أن كل ما يشهده العراق اليوم هو نتاج تراكم ذلك الماضي الذي عبثت به قوى خارجية، عملت على تدميره وخربت بنيته تحت مسميات شتى.العراق بين البناء والانتماء

ومن رحم هذه التراجيديا المستمرة، يولد الوعي المعاصر بضرورة صياغة معادلة جديدة تقوم على مفهوم أصيل: أن أس البناء هو الحب، ومصدر الحب هو الانتماء. فلا يمكن لعملية إعمار حقيقية أن تنطلق، ولا لنهضة أن تقوم، ما لم تكن نابعة من انتماء مطلق لهذه الأرض وتاريخها. ومن هذا المنطلق بالذات، يتحرك العراق اليوم بخطى واثقة مستنداً إلى رصيده الحضاري الضخم، ليعيد صياغة دوره الإقليمي والدولي ؛ مدركاً أن نموه وتقدمه يقترنان بنمو وتقدم أشقائه وجيرانه في المنطقة. إن هذا التوجه العراقي الحديث يمثل ترجمة واقعية لرؤية تؤمن بأن العراق يستحق أن يكون شريكاً أساسياً للعالم، لا مجرد ساحة لتصفية الحسابات أو مسرحاً للنزاعات والأزمات، ولا مجرد خزائن يتم استغلال ثرواتها النفطية دون مصلحة شعبها. ومن أجل ذلك، تحرص بغداد على أن تكون شريكاً فاعلاً في دعم مسيرة السلم والتنمية، متبنيةً عقيدة دبلوماسية واقتصادية جديدة ترتكز على الانتقال من التعاون العسكري والأمني إلى الشراكة التنموية الشاملة، وفتح الأبواب أمام الشركات الاستثمارية العالمية وصناديق الطاقة المستدامة، لتتحول شبكات التجارة ومشاريع التكامل الاقتصادي والربط الإقليمي إلى (وثيقة اعتماد دبلوماسية) تؤكد سيادة العراق وتعيد دمجه في محيطه كمركز جذب واستقرار استراتيجي.

تثبت الرؤية العراقية الجديدة أن دجلة والفرات وشرايين المنطقة لم تُخلق لتفرق بين الشعوب، وأنه لا يمكن تحقيق استقرار حقيقي استناداً إلى معادلة (الربح والخسارة) الصفرية، فالعلاقات السليمة الممتدة تتأسس على فلسفة المنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة. إن هذا الإدراك يدفع العراق لتقديم بدائل تنموية وبناء أرصدة من الثقة الاستراتيجية مع جيرانه، لتأكيد أن النهر والحدود يجب أن يكونا جسوراً للتواصل لا ساحات للتنافس والعبث بالأمن المائي أو الاقتصادي، وهي أرصدة راسخة لا تتبخر مهما تغيرت الحكومات. ومع هذا السعي المخلص لدفع المنطقة إلى آفاق أرحب، تبقى هناك تحديات كبرى تتعلق باستقرار الدول وتصفية النزاعات، والبحث عن حلول لمعضلة تمويل التنمية، والحق في النفاذ إلى مصادر التمويل الدولية لا المساعدات المؤقتة، لتنفيذ خطط واعدة في البنية التحتية، والطاقة، والتكنولوجيا. إن وعي القيادة العراقية والنخب الحية اليوم بضرورة العودة الفاعلة إلى عمق الامتداد الطبيعي للعراق ليس ترفاً سياسياً، بل هو صحوة حقيقية للوعي الجغرافي والتاريخي، تنطلق من حقيقة راسخة: أن مستقبل بغداد يصنع ببدء البناء من الداخل والانفتاح بالحب والانتماء على الخارج، لتكتمل قوة المنطقة بقلبها النابض الملهم المستيقظ من وسط الرماد.

العراق بين البناء والانتماء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *