
الفضول في الأرياف: بين دفء العلاقات وحدود الخصوصية
محمود سعيد برغش
في المجتمعات الريفية، حيث القرب بين الناس لا يقتصر على المسافات، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، تصبح الأخبار الخاصة شائعة، والأسئلة الشخصية أمرًا اعتياديًا. من تزوج؟ من طلق؟ لماذا سافر فلان؟ كم يتقاضى من راتبه؟ ماذا اشترى؟ لماذا يبدو حزينًا؟ ولماذا هو سعيد؟
هذه الأسئلة، وإن بدت للبعض تدخّلًا في الخصوصيات، إلا أنها في نظر سكان القرى جزء من “الحياة اليومية”. إنها ناتجة عن طبيعة الحياة الجماعية، قلة الأحداث، وارتباط الناس ببعضهم، حيث تُفسَّر معرفة التفاصيل على أنها مشاركة وجدانية.
الفضول.. متى يصبح مشكلة؟
الفضول في ذاته ليس مذمومًا إن بقي في حدوده الطبيعية، لكنه قد يتحول إلى عبء حين يتجاوز الخط الفاصل بين الاهتمام والتطفل. فالفرد يشعر أحيانًا بأنه مراقَب، وأن حياته مفتوحة أمام الجميع دون استئذان، مما يولد القلق، ويهزّ الشعور بالأمان والراحة النفسية.
كيف نتعامل مع هذا النوع من الأسئلة؟
1. الرد المختصر:
ليس عليك أن تشرح كل تفاصيلك. إجابات قصيرة ومحترمة تكفي، مثل: “الحمد لله”، أو “الأمور تمام”، دون الحاجة للخوض في الخصوصيات.
2. تغيير الموضوع بلباقة:
عندما تشعر أن السؤال يتجاوز الحد، يمكنك تغيير مسار الحديث إلى أمر عام أو حكاية لطيفة تخرج الطرف الآخر من دائرة الفضول.
3. استخدام المزاح الذكي:
جملة مثل: “هو إنت ناوي تكتب كتاب عني؟” تقول الكثير دون أن تُحرج السائل، وتكسر التوتر بابتسامة.
4. وضع حدود واضحة:
من حقك تمامًا أن تقول: “دي حاجة أحب أحتفظ بيها لنفسي”، دون غضب أو تجريح.
5. حُسن الظن في نية السائل:
لا تتعامل مع كل سؤال على أنه تدخل أو سوء نية. أحيانًا يكون الدافع هو المحبة أو الرغبة في الاطمئنان، حتى وإن خانه الأسلوب.
من هدي القرآن والسنة: احترام الخصوصية
لقد رسّخ الإسلام مفهوم احترام الخصوصية بشكل عميق، ونهى عن التطفل وتتبع أخبار الناس:
قال تعالى:
﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾
[الحجرات: 12]
> نهي صريح عن التتبع والتطفل، وهو أساس الفضول غير المحمود.
وقال سبحانه:
﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
[المائدة: 101]
> دعوة للتريّث، لأن بعض الأسئلة قد تجرّ الحرج أو تكشف ما لا يُحب المرء إظهاره.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
“من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”
[رواه الترمذي]
> قاعدة ذهبية لو التزم بها الناس، لاختفى كثير من التدخلات المزعجة.
وقال عليه الصلاة والسلام:
“لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم…”
[رواه أبو داود]
> تتبع خصوصيات الناس عقوبته عظيمة، وقد تؤدي إلى الفضيحة حتى في بيته، إن استمرّ في انتهاك حدود غيره.
أسئلة تستحق التوقف معها:
هل أنا أيضًا أمارس هذا الفضول مع غيري؟
هل أساعد بردودي وسلوكي على تعليم الناس احترام خصوصيتي؟
هل حان الوقت لأكون واضحًا فيما أقبل مشاركته وما أفضّل الاحتفاظ به لنفسي؟
الخصوصية ليست قطيعة، بل احترام متبادل
في النهاية، العلاقة بين الناس في القرى يجب أن تظل دافئة، لكن ضمن حدود تحفظ كرامة الإنسان وراحته النفسية. الفضول الزائد قد يجرح، حتى لو لم يُقصد به سوء. وعلينا أن نُدرك أن الخصوصية ليست رفاهية، بل حق أصيل، أقرّه الشرع، وفرضه الذوق، وأكد عليه العقل.
الفضول في الأرياف: بين دفء العلاقات وحدود الخصوصية