الرئيسيةاقتصاد*النفط نفسه… فلماذا يواجه العراق أزمات لا تعرفها دول الخليج؟* بقلم: د. سلام عيدان مرزوك الخيكاني
اقتصاد

*النفط نفسه… فلماذا يواجه العراق أزمات لا تعرفها دول الخليج؟* بقلم: د. سلام عيدان مرزوك الخيكاني

عندما يُطرح موضوع الأزمات المالية في العراق، غالباً ما تُوجَّه أصابع الاتهام مباشرة إلى الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي واعتماده الكبير على النفط. غير أن هذا التفسير يبدو ناقصاً عند النظر إلى واقع دول الخليج العربية التي تشترك مع العراق في السمة نفسها، إذ تعتمد اقتصاداتها وموازناتها العامة بدرجات متفاوتة على العوائد النفطية والغازية. ومن هنا يبرز سؤال منطقي ومشروع: إذا كانت جميع هذه الدول ريعية وتعتمد على النفط، فلماذا يبدو العراق الأكثر عرضة للأزمات المالية والاختناقات الاقتصادية؟
في الواقع، لا يختلف العراق كثيراً عن جيرانه الخليجيين من حيث درجة الاعتماد على النفط في تمويل الموازنة العامة. فالإيرادات النفطية تمثل في العراق ما بين 90 و95 في المئة من إجمالي إيرادات الموازنة، وهي نسبة مرتفعة بلا شك. إلا أن دولاً خليجية أخرى سجلت تاريخياً نسب اعتماد مرتفعة أيضاً؛ إذ تراوحت مساهمة النفط في الإيرادات الحكومية للكويت والسعودية وعُمان والبحرين بين 80 و90 في المئة، بينما بلغت في قطر مستويات مرتفعة مماثلة خلال العديد من السنوات، وإن كانت الإمارات الأقل اعتماداً نسبياً بفضل نجاحها في تنويع مصادر الدخل. وبذلك فإن الاعتماد على النفط ليس سمة عراقية خالصة، بل هو سمة مشتركة بين معظم الاقتصادات الخليجية.
كما أن العراق ليس الأقل امتلاكاً للثروة النفطية بين هذه الدول، بل يمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وينتج ملايين البراميل يومياً ويُعدّ من كبار المصدرين في منظمة أوبك. ونصيب الفرد العراقي من هذه الإيرادات يبقى أدنى بكثير من نظيره الخليجي بسبب كثافة السكان التي تتجاوز 46 مليون نسمة، مما يعني أن الموارد ذاتها يجب أن تُوزَّع على قاعدة بشرية أوسع بكثير في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل. ولذلك فإن المشكلة لا تكمن في حجم الموارد النفطية أو في طبيعة الاقتصاد الريعي بحد ذاته، وإنما في الظروف التاريخية والسياسات الاقتصادية التي رافقت إدارة هذه الثروة عبر العقود.
فعلى خلاف دول الخليج التي استفادت من الطفرات النفطية المتعاقبة منذ سبعينيات القرن الماضي لتراكم الاحتياطيات المالية وتأسيس الصناديق السيادية والاستثمارات الخارجية، دخل العراق سلسلة طويلة من الحروب والصراعات استنزفت موارده الاقتصادية. فقد جاءت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات لتستهلك جزءاً كبيراً من الإيرادات النفطية وتستنزف القدرات المالية للدولة، وتُعمّق الاعتماد على الاقتراض الخارجي الذي راكم ديوناً ضخمة لاحقاً. ثم جاء غزو الكويت عام 1990 ليُكبّل العراق بعقوبات دولية واسعة النطاق كانت كارثية الأثر على البنية الاقتصادية.
وتُعد مرحلة الحصار الاقتصادي الممتد بين عامَي 1990 و2003 من أكثر المراحل تأثيراً في تشكيل الهشاشة الاقتصادية الراهنة. فالعقوبات فرضت قيوداً مشددة على الصادرات النفطية العراقية وحجّمت قدرة البلاد على الاستفادة من مواردها الطبيعية. وفي الوقت الذي كانت فيه دول الخليج تراكم الفوائض المالية وتستثمر عائداتها في الداخل والخارج، كان العراق محروماً من تصدير نفطه بصورة طبيعية ومن بناء أي احتياطيات أو أصول سيادية. ولم يخسر العراق إيرادات نفطية آنية فحسب، بل خسر أيضاً فرصة تاريخية لتراكم الثروة الوطنية خلال عقد كامل من الارتفاعات النفطية العالمية.
غير أن الحصار والحروب لم تكن الجرح الوحيد. فقبل عام 2003، أدار النظام السابق الاقتصادَ العراقي بمنطق يجعل القرار الاقتصادي رهيناً للقرار السياسي والأمني. فقد وُجِّهت مليارات الدولارات من العوائد النفطية نحو التسليح وبناء الأجهزة الأمنية والمشاريع الدعائية، بدلاً من توجيهها نحو البنية التحتية الإنتاجية أو الاحتياطيات المالية. وأُحكمت قبضة الدولة على مفاصل الاقتصاد دون أن يُفسَح المجال لقطاع خاص قادر على تنويع مصادر الدخل. وحين انهار هذا النظام عام 2003، لم يترك وراءه اقتصاداً بُني على أسس سليمة، بل ترك فراغاً هيكلياً عميقاً في المؤسسات الاقتصادية والإدارية.
وبعد عام 2003، كانت الفرصة سانحة لإعادة بناء الاقتصاد واستثمار العوائد النفطية الضخمة التي تدفقت خلال سنوات ارتفاع الأسعار. إلا أن نظام المحاصصة الطائفية والسياسية الذي أرسى بنية الحكم الجديدة أسهم في تشتيت القرار الاقتصادي وجعل تخصيص الموارد العامة خاضعاً للتوازنات الحزبية لا لمعايير الكفاءة والتنمية. فتوسعت الوظيفة الحكومية لتغدو أداة توزيع سياسي لا جهاز إنتاج وطني، وباتت فاتورة الرواتب والمتقاعدين تستنزف ما يقارب 70 في المئة من الموازنة العامة، وهي نسبة تكشف بجلاء حجم الاختلال الهيكلي في بنية الإنفاق العام. وفي المقابل، شهدت ميزانيات الاستثمار الرأسمالي تآكلاً متواصلاً، فضلاً عن أن ما يُصرف منها فعلياً كثيراً ما يقل عما هو مخصص بسبب عجز التنفيذ والبيروقراطية المثقلة.
ويزيد الطين بلة أن الحكومات المتعاقبة لم تسعَ جدياً إلى تفعيل القطاع الخاص بوصفه شريكاً في استيعاب الأيدي العاملة وتخفيف العبء عن كاهل الموازنة. فبدلاً من بناء بيئة تشريعية محفزة تُيسّر تأسيس الأعمال وتحمي المستثمر وتُتيح الائتمان المصرفي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بقيت الشركات الحكومية مهيمنة على قطاعات حيوية، وبقي الاقتصاد مغلقاً أمام المنافسة الحقيقية. والأدهى أن القطاع الخاص الذي نشأ في هذه البيئة لم يتطور نحو الإنتاج والتصنيع وخلق القيمة المضافة، بل اتجه نحو مقاولات الدولة والعقود الحكومية، فأصبح في جوهره امتداداً للاقتصاد الريعي لا بديلاً عنه. وهكذا أوجدت الحكومات المشكلة من طرف بتوسيع التوظيف العام إلى حدود غير مستدامة، وأغلقت الحل من طرف آخر بإهمال بناء قطاع خاص منتج قادر على حمل جزء من هذا العبء.
ولا يمكن إغفال عامل آخر أثقل كاهل مرحلة ما بعد 2003، وهو موجات العنف والعمليات الإرهابية المتكررة التي حوّلت العراق إلى بيئة طاردة للاستثمار الأجنبي والمحلي على حدٍّ سواء. فالمستثمر الأجنبي الذي كان يمكن أن يُسهم في بناء قطاعات إنتاجية حقيقية لم يكن مستعداً للمجازفة برأسماله في بيئة تتفجر فيها السيارات المفخخة وتُغتال فيها الكفاءات. وعلى المستوى الداخلي، اضطرت الحكومات المتعاقبة إلى تخصيص حصة كبيرة من الموازنة للإنفاق الأمني والعسكري، مما أبقى التطوير الاقتصادي في مرتبة ثانية لسنوات متطاولة. غير أن هذا العامل، على أهميته، لا يرفع المسؤولية كاملاً عن السياسات الاقتصادية، إذ إن دولاً أخرى عانت من اضطرابات أمنية مماثلة ومع ذلك أبقت على مسار تنموي واضح، مما يُشير إلى أن جودة الحوكمة تظل المتغير الأكثر حسماً في تحديد مصير أي اقتصاد.
وفي قلب هذه الصورة يقبع الفساد المالي والإداري بوصفه العامل الأشد تأثيراً والأصعب قياساً. فالعراق يُصنَّف باستمرار في مراتب متدنية على مؤشرات الشفافية الدولية، وتكشف التقارير المتراكمة عن ظاهرة الموظفين الفضائيين الذين يتقاضون رواتب دون أن يمارسوا عملاً فعلياً، وعقود حكومية بمليارات الدولارات تُبرَم مع شركات وهمية أو لمشاريع لم تُكتمل أو لم تُنجَز أصلاً، وتسرب منظّم للعملة الأجنبية عبر منصات الصرف التي طالما استُغلت لتهريب الدولار إلى الخارج. كل هذه الظواهر لا تُضعف الإيرادات فحسب، بل تنخر في قدرة الدولة على تحويل الثروة النفطية إلى خدمات حقيقية وأصول إنتاجية مستدامة.
وبينما كانت دول الخليج تتجه إلى تطوير قطاعات السياحة والنقل والخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية والتكنولوجيا، بقي الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط. وحين تنخفض الأسعار تنخفض الإيرادات بشكل مباشر وفوري، في حين تبقى الالتزامات المالية للدولة ثابتة أو متصاعدة، مما يُنتج ضغوطاً دورية على الموازنة العامة تنتهي في الغالب إلى الاستدانة أو التأخر في صرف الرواتب أو تقليص الإنفاق على الخدمات.

 

*النفط نفسه... فلماذا يواجه العراق أزمات لا تعرفها دول الخليج؟*
بقلم: د. سلام عيدان مرزوك الخيكاني
إن النفط لم يكن يوماً مشكلة العراق الحقيقية. معظم دول الخليج ريعية وتعتمد بصورة واسعة على النفط، لكنها استطاعت تحويل جزء من عوائده إلى احتياطيات واستثمارات شكّلت شبكة أمان مالية. أما العراق، فقد واجه مساراً مختلفاً جمع بين الحروب والحصار وسوء التخطيط قبل عام 2003، ثم بين ضعف الحوكمة ونظام المحاصصة والفساد بعده، وهي عوامل تراكمت لتجعل اقتصاده أكثر هشاشة أمام أي صدمة نفطية. ولذلك فإن مستقبل الاستقرار المالي في العراق لن يتحدد بحجم الإنتاج النفطي وحده، بل بشرط أساسي واحد: قدرة الدولة على بناء مؤسسات رشيدة وحوكمة نزيهة تُحوّل هذه الثروة إلى استثمارات مستدامة تحمي الأجيال القادمة من تقلبات الأسواق وتكرار الأزمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *