الودّ… خيطٌ لا تقطعه الآلات الحادة، بل الظنون

بقلم أشرف ماهر ضلع
في زمنٍ ازدحمت فيه الأيدي بالمصافحات، وقلّت فيه القلوب التي تُصافح بصدق، بات الودُّ عملةً نادرة، لا تُقاس بكثرة اللقاءات، ولا بطول المكالمات، ولا بعدد الكلمات المنمقة، وإنما يُقاس بما يبقى في القلب حين تغيب الوجوه، وبما يظل حاضرًا حين تعصف رياح الاختلاف.
فالودُّ ليس علاقةً عابرة، ولا مصلحةً مؤقتة، ولا جسرًا يُقام فوق نهر الحاجة ثم يُهدم بعد انقضائها. إنه خيطٌ رقيق، لكنه أشد صلابةً من الحديد إذا نسجته المحبة، وأرقُّ من النسيم إذا سقته الرحمة، وأبقى من الزمن إذا حفظه الوفاء.
وليس غريبًا أن تُكسَر الأشياء الصلبة بضربة، بينما يبقى الود قائمًا رغم قسوة الأيام. فالآلات الحادة تستطيع أن تقطع الحبال، وأن تُسقط الأشجار، وأن تُحطم الصخور، لكنها تعجز عن الوصول إلى قلبين جمعتهما المودة الصادقة. أما الظنون… فهي السكين التي لا يُسمع لها صوت، لكنها تُحدث في الأرواح جراحًا قد لا يبرؤها الزمن.
كم من علاقةٍ لم يهدمها خلاف، وإنما هدمها سوءُ الظن. وكم من صديقٍ كان أقرب من الأخ، ثم فرّقت بينه وبين صاحبه كلمةٌ لم تُفسَّر، أو موقفٌ لم يُستوضح، أو رسالةٌ قرأها أحدهما بعين الريبة لا بعين المحبة.
إن الظنون لا تطرق الأبواب، بل تتسلل من الشقوق الصغيرة. تبدأ سؤالًا، ثم تتحول احتمالًا، ثم تصبح يقينًا زائفًا، حتى إذا اكتمل بناؤها، اكتشف أصحابها أنهم كانوا يهدمون بيتًا لم يدخله أحدٌ غير أوهامهم.
وما أكثر الذين يخسرون أحبابهم لأنهم استمعوا إلى ما قيل عنهم، ولم يستمعوا إليهم. صدقوا الناقل، وكذبوا العِشرة. وثقوا في الإشاعة، وشكّوا في سنواتٍ من الوفاء. فكانت النهاية مؤلمة، لا لأن الودَّ مات، بل لأن الظنون دفنته حيًّا.
إن العلاقات الإنسانية لا تحتاج إلى كثرة الاعتذار بقدر حاجتها إلى حسن التأويل، ولا تحتاج إلى مراقبة التفاصيل بقدر حاجتها إلى سعة الصدر. فالقلب الذي امتلأ محبةً يفسر الزلات بعين العذر، أما القلب الذي استوطنته الريبة فإنه يرى في كل كلمة إساءة، وفي كل صمت تجاهلًا، وفي كل غياب خذلانًا.
لقد علّمنا العقلاء أن نلتمس لإخواننا الأعذار، لأن الحقيقة لا تُرى دائمًا من زاويةٍ واحدة، ولأن لكل إنسان معركةً لا يعلمها إلا الله. فليس كل صامتٍ متكبرًا، ولا كل منشغلٍ متغيرًا، ولا كل بعيدٍ ناسيًا، فقد تثقل الحياة الأكتاف حتى يعجز أصحابها عن البوح.
ومن أجمل الأخلاق أن نحفظ الودَّ وقت الغضب، وأن نصون المحبة عند الاختلاف، وأن نغلق أبواب الظنون قبل أن تفتح نوافذ الفراق. فما أسهل أن نهدم علاقةً بكلمة، وما أصعب أن نعيد بناءها بعد أن تتشقق الثقة.
إن الودَّ الحقيقي لا يبحث عن الكمال، لأن البشر خُلقوا ناقصين، لكنه يبحث عن الصدق، وعن النية الطيبة، وعن قلبٍ إذا أخطأ اعتذر، وإذا غضب أنصف، وإذا سمع نميمةً أغلق أذنه قبل قلبه.
ولعل أجمل العلاقات هي تلك التي لا تُقاس بعدد اللقاءات، وإنما بصدق الدعوات، ولا بعدد الصور، وإنما بسلامة الصدور. هناك أناسٌ يمرون في حياتنا مرور النسيم، لكن أثرهم يبقى عمرًا كاملًا، لأنهم زرعوا الودَّ دون انتظار مقابل، وأحبوا دون حساب، وأخلصوا دون ضجيج.
فاحذروا الظنون، فإنها تُفسد ما تعجز الخصومات عن إفساده، وتهدم ما عجزت السنون عن هدمه. واسألوا قبل أن تحكموا، واستوضحوا قبل أن تبتعدوا، وأحسنوا الظن بمن عرفتم منهم الخير، فإن القلوب الطيبة تستحق فرصةً قبل أن تُدان.
وفي الختام، يبقى الودُّ من أجمل الهدايا التي يتبادلها البشر، لا يُشترى بمال، ولا يُفرض بقوة، ولا يُصنع بالمجاملات. إنه ثمرة الصدق، وسراج الوفاء، وعنوان النفوس النبيلة. ومن أراد أن يحفظ أحبابه، فليحرس قلبه من الظنون، فإن الودَّ خيطٌ لا تقطعه الآلات الحادة… بل تقطعه الظنون.
الودّ… خيطٌ لا تقطعه الآلات الحادة، بل الظنون

