في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية، لم يعد الخطر الحقيقي يكمن في تغير أنماط اللباس أو أختلاف الأذواق، بل في انقلاب المفاهيم حتى أصبح الحياء عند البعض ضعفًا، والإحتشام تخلّفًا، والعري عنوانًا للحرية والرقي.
إنها مفارقة مؤلمة تستوجب الوقوف عندها بوعي ومسؤولية.
لقد كرّم الله الإنسان، وجعل له من اللباس نعمةً عظيمة، لا ليستر جسده فحسب، بل ليحفظ كرامته، ويصون حياءه، ويمنحه وقارًا يليق بمكانته بين المخلوقات. قال تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
> ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ صدق الله العظيم – سورة الأعراف، الآية 26.
تأملوا كيف بدأ الله تعالى بذكر وظيفة اللباس الأساسية: “يواري سوآتكم”، أي يستر ما يجب ستره، ثم ذكر الزينة بقوله: “وريشًا”، ليبين أن الجمال مشروع، لكنه يأتي بعد الستر، ثم ختم الآية بقوله: “ولباس التقوى ذلك خير”، لأن أجمل ثوب يرتديه الإنسان هو تقوى الله وخشيته.
وإذا كان الإسلام قد دعا إلى النظافة وحسن المظهر والتجمل، فإنه في الوقت نفسه وضع لذلك ضوابط تحفظ كرامة الإنسان، فلا يتحول اللباس إلى وسيلة لإظهار العورات أو لفت الأنظار على حساب الحياء.
إن ما نشهده اليوم من تفشي مظاهر التعري في كثير من الأماكن العامة يدعو إلى الأسف.
فقد أصبح مألوفًا أن ترى رجالًا يرتدون ملابس تكشف أجزاءً كبيرة من أجسادهم، أو نساءً يدفعهن تقليد الموضات إلى التخلي عن أبسط معاني الإحتشام، وكأن قيمة الإنسان أصبحت تقاس بمدى ما يُظهر من جسده لا بما يحمله من علم وأدب وأخلاق.
وليست الرجولة أن تمشي في الشارع{كاشفًا ردفيك وفخذيك}، وإنما الرجولة أن تعرف أن الله يراك، وأن تحترم نفسك، وتحفظ هيبتك، وتلتزم بالأدب الذي يرفع قدرك.
فالحياء ليس خُلُقًا نسائيًا فحسب، بل هو خُلُق المؤمن، رجلًا كان أو إمرأة.
ولا يخفى أن وسائل التواصل الإجتماعي الفايسبوك والواتساب والتيك توك والتويتر وغيرها من المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية والإعلانات وبعض المؤثرين ساهموا في تطبيع هذه الظاهرة، حتى بات كثير من الشباب يعتقد أن مواكبة الموضة تعني تقليد كل ما يراه، دون أن يسأل نفسه: هل يرضي هذا الله؟ وهل يحفظ كرامتي؟ وهل ينسجم مع قيم مجتمعي؟
إن الحرية لا تعني أن يتخلى الإنسان عن كل ضابط، فالحرية تقترن بالمسؤولية، والكرامة تقترن بالحياء.
وما أجمل الإنسان حين يجمع بين حسن المظهر وحسن الخلق، وبين الأناقة والوقار، وبين التجدد والالتزام بالقيم.
لسنا هنا بصدد إصدار الأحكام على الأشخاص، فالله وحده يعلم ما في القلوب، وإنما نتحدث عن ظاهرة إجتماعية تتوسع يومًا بعد يوم، تحتاج إلى النصح بالحكمة، وإلى دور الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والإعلام، في إعادة الإعتبار لقيمة الحياء والستر.
فلنعد إلى هدي القرآن، ولنجعل من قول الله تعالى نبراسًا لحياتنا:
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾

فالستر ليس قيدًا، بل كرامة، والحياء ليس تخلفًا، بل شرف، والتقوى هي الثوب الذي لا يبلى، ولا تزول قيمته مهما تغيرت الأزمنة والموضات.
فاستحِ من الله، وأستر نفسك، وأعلم أن من عظّم أوامر الله عظّمه الله بين الناس، ومن جعل التقوى لباسه كساه الله لباس العزة والوقار.
بقلم المعز غَنِـي
حين يُصبح الستر غريبًا… ويُسوَّق العُري على أنه تحضّر …!
مراجعة لغوية وتحريرية وتدقيق المغيره بكري
جريدة موطني الإخبارية المحلية والدولية

