الرئيسيةUncategorizedحواري مع الملحد | الجزء الأول
Uncategorized

حواري مع الملحد | الجزء الأول

سؤال الأقدم:  في هذا الحوار تتقاطع الأسئلة الكبرى بين العقل والإيمان، حيث يقف الإنسان حائرًا أمام سرّ الوجود وتكوين الكون. نقاش هادئ لكنه عميق، يكشف حدود العلم، ويستفز التفكير، ويضع القارئ وجهًا لوجه أمام الل ما نراه خلقٌ أم مجرد اكتشاف؟ هنا يبدأ الجدل… وتبدأ الرحلة.

حواري مع الملحد | الجزء الثالث

ذكرنا في الجزء الأول بعض هذه الأسئلة؛ فبداية الإلحاد عثرة فكرية ناتجة عن غياب الرعاية وترك الأسئلة بلا إجابات. سؤال الخلق، ومعضلة الشر، والبحث عن إلهٍ ملموس… كل هذه التساؤلات طُرحت في الجزء الأول، ودَفعت الإنسان إلى التأرجح بين الطبيعة والإيمان.

 

وذكرنا في الجزء الثاني أيضاً أن الحوار بين المتسائل والملحد لم يكن مجرد جدلٍ فكري، بل كشف جذور الإلحاد التاريخية والنفسية معًا؛ من سؤال العبودية وغياب تطبيق التشريعات الإلهية، إلى التأمل في قوانين الكون وحدود العقل أمام علم الغيب. كما تبيّن أن الألم الشخصي وخيبات الرجاء وسوء استغلال الدين كانت دافعًا خفيًا للشك، وأن سؤال «أين كان الله قبل الكون؟» حيرة إنسانية مشتركة، تقودنا إلى التساؤل عن تغيّر أسلوب الخطاب الإلهي عبر الزمن.

قد يعجبك أيضاً
  • منذ 7 أيام
    الحاسة السادسة بين الحدس والفراسة وقدرة الله فوق العقل والعلم
  • منذ 11 أيام
    صراع المثقف بين الصدق والنفاق في واقع اجتماعي مضطرب
  • منذ 13 أيام
    حدود العقل البشري بين الابتكار والخلق

الكاتب / عايد حبيب جندي الجبلي

حواري مع الملحد | الجزء الثالث

وفى هذا هو مفهوم تكوين الكون؛ فلم ولن يصل العقل البشري إلى مفاهيم خلقية كونية غير هذا القول. فعندما نصل إلى ما قبل تكوين الكون، يعجز العقل البشري عن إدراك الإعجاز التكويني وكيف خلق الله الوجود من عدم. فبعض الأسرار الكونية يعرفها العلماء، وبعضها ما زال حتى الآن مجهولًا، وسرّها عند الله في تعقيدها الكوني.

انظر إلى الشمس كيف تضيء بنورها، والعلماء يتحدثون عن نظريات، ولم يعرفوا حتى الآن ما بداخل الشمس تفصيليًا. فهل بقوة الإنسان وعلمه يستطيع أن يثبت أن الكون باقٍ على طبيعته حتى الآن؟ أو يمنع تصادم الكواكب؟ هل يمنع البراكين من انفجارها؟ هل يصنع كوكبًا ويضعه في السماء ويبقى ثابتًا كما فعل الله في خلقه؟ هل يستطيع أن يمنع النجوم من التساقط ؟

قال الملحد:
عزيزي المتسائل، على مهل؛ فالإنسان بالفعل يستطيع أن يفعل أشياء، ولكن هناك أشياء ليس بمقدوره أن يفعلها، مثل ما ذكرتَ. فهي تستحق البحث بالفعل، وهذا إعجاز علمي يستحق التفكير ومراجعة الآراء. لكن ما توصل إليه الإنسان الآن يفوق العقل؛ فعلى سبيل المثال، الإنسان الآلي يتحدث، ويصنع الكثير من المصنوعات الذكية التي نستخدمها في يومياتنا.

قال المتسائل للملحد:
نعم، أنا معك في تطور الحياة بالتكنولوجيا الإنسانية، لكن هل يستطيع الإنسان خلق إنسان يتميز بالأحاسيس والمشاعر؟ وهل يستطيع الإنسان إحياء ميتٍ له أربعة أيام؟ فهل يستطيع فعل كل هذا؟ بالطبع لا. وهنا يعجز الإنسان عن إدراك مقاصد الله في خلقه.

فعلى سبيل المثال، أشكالنا لم تكن متشابهة، بل يختلف كل شخص عن الآخر، ومن النادر أن يشبه شخصٌ آخر. وهذا سرّ الله في الخلق. من الذي يهب الموهبة للإنسان غير الله؟ ومن يعطي الذكاء لعقل الشخص الموهوب غير الله؟

قال الملحد:
صديقي المتسائل، هذه العقول جينات وراثية من الأب والأم.

قال المتسائل:
صديقي الملحد، مفاهيمك خطأ. فلماذا أنت، على سبيل المثال، لم تشبه أخاك في الذكاء والتنوير العقلي والتفوق الدراسي؟ فهناك من لا يتفوق، ويخرج الإنسان بنتيجة تقيم قوة ذكائه مقارنة بغيره. مثل أينشتاين، وأحمد زويل، ونجيب محفوظ؛ هؤلاء متميزون عن غيرهم من العقول. فمن أعطى هذه العقول؟ الطبيعة أم الجينات الوراثية؟ لا هذا ولا ذاك، بل الموهبة منحة من الله. فلولا ذلك لكان العالم كله أينشتاين وأحمد زويل ونجيب محفوظ.

فالطبيعة لا تخلق لك إلا غذاءك اليومي من أجل الحياة، وهذه المعلومة قالها الله لآدم:
«تأكل خبزك بعرق جبينك، والأرض تُخرج لك حسكًا وعشبًا».
فهل يستطيع الإنسان أن يُخرج ثمرًا من غير الأرض؟ والثمرة تطرح بذورًا، والبذور تُطحن ثم تُعجن وتُصير خبزًا؟

قال الملحد:
نعم، سيدي المتسائل، الإنسان دمج ثمرتين في ثمرة واحدة، وطعمين في طعم واحد، أليس هذا صنع الإنسان؟

قال المتسائل:
نعم، صديقي الملحد، صدقت فيما قلت، لكن ما طرحته يُسمّى اكتشافات لا خلقًا. فهو مجرد تجربة قام فيها الإنسان بلصق جزعين من شجرتين وتركهما بضعة أشهر، فأثمرت الشجرة. ثم اعتُمدت الفكرة لاحقًا. مثلما اكتشف إسحاق نيوتن الجاذبية الأرضية بمحض الصدفة، فهو لم يخلق الجاذبية ولا الشجرة، بل اكتشف قانونًا كونيًا. فكل هذا يُسمّى اكتشافات علمية.

قال الملحد للمتسائل:
يا صديقي، ألم تسمع عن الاستنساخ من النعجة دوللي، ونسخ نعجتين وإخراجهما نسخة واحدة؟ أليس هذا صنع الإنسان؟ وأنت تقول إن شبه الإنسان نادر، والآن الإنسان توصل لعلم النسخ ويستطيع أن ينسخ إنسانًا يشبه الآخر تمامًا.

قال المتسائل للملحد:
يا صديقي، هذه جينات منقولة من كائن موجود على الأرض. العلماء أخذوا الجينات الوراثية ودمجوها مع بعضها، ووضعوها في كائن مؤنث يعيش على الأرض. فهم لم يخلقوا كائنًا جديدًا، بل تعاملوا مع كائنات موجودة مسبقًا. فكيف نقول إن العلماء خلقوا؟

لا، صديقي الملحد، لم يستطع العلماء خلق كائن من لحم ودم يأكل ويشرب من ذاته، وينجب كائنات على كوكبنا. ولا يستطيع العلماء أن يزيدوا عن قامته شبرًا. نعم، صنعوا الإنسان الآلي، لكن هل يمد فكره من ذاته أم من حاسوب؟ وكذلك النسخ، هل نُسخ من طين أم زُرع في كائن حي بدمج كائنات بعضها ببعض؟

صديقي المتسائل،
سأطرح عليك سؤالًا، فلتجب عنه دون فلسفة حتى لا يطول فهمه، لنخرج بنتيجة مقنعة:
لماذا الله سلّم البشر للديانات منذ أن كلم آدم، وتسلمتها الأجيال من بعده؟ ولماذا وُضعت الديانة اليهودية لاحقًا؟ ولماذا لم يُترك الإنسان بلا قواعد دينية كما كان في البداية؟ ولماذا لم نسِر على منهج أبناء آدم بلا ديانات؟ ولماذا قيدنا الله بالديانات ووضع لها أسسًا معقدة؟

نعم، صديقي الملحد، طرحتَ أسئلة كثيرة، وأنا لم أطِل عليك إلا بالمنطق والدليل. فأنت سألت: لماذا أبناء آدم لم يستلمون كلام الله ويفعلون به ؟

في بداية الخلق كانت صراعات الغيرة والحسد، عندما قتل الأخوين الآخر بدافع الغيرة والحقد. وهنا دخل الحسد إلى الإنسان، وبدأت الصراعات البشرية، ووضع الإنسان حاجزًا بينه وبين الله، وعاش في الخطية. فالإنسان اختار الخطية أكثر من اختياره الله، ففصلته الخطية عن خالقه. وآدم ورّث أبناءه هذا النهج، وتوارثته الأجيال، فانشق البشر عن الله، وعاشوا في انحلال أخلاقي، كقانون الغابات؛ القوي يأكل الضعيف، ولا حلال ولا حرام، وعمّ الزنا الأرض.

فالإنسان أراد أن يسير بلا قيود سماوية، ومن هنا ظهرت فكرة الآلهة الأرضية المصنوعة والملموسة، واستمرت البشرية على هذا النهج حتى زمن أبينا إبراهيم، الذي مهّد لطاعة الله، ثم جاء موسى، وتعب معه بنو إسرائيل، وهذا من حقهم لأنهم لم يعرفوا الله من قبل.

لكن كيف تنكرون وجود الله وأمامكم ثلاث ديانات؟ إنكم تتشبهون بمن قبل الرسل في إنكار وجود الله. فبنو إسرائيل كانوا يعيشون في فوضى أخلاقية، فجاءت الديانات لتقويمهم، حتى لا يهلكهم الله كما أهلك قوم لوط، ولا ينزل عليهم طوفانًا يهلك البشرية مرة أخرى.

أما عن سؤالك: لماذا لم يتركنا الله كأبناء آدم؟
فإجابتي لك بسؤال: أنتم تحاربون من أجل الحرية دون قيود دينية، فما رأيك حين باع الإنسان أخاه الإنسان في فرنسا، بلد الحريات، عام 1820م؟ فأين الحرية؟ وأين الإنسانية؟ وأين كرامة الإنسان حين يُقيد بسلاسل ويُباع لأخيه الإنسان؟

حواري مع الملحد | الجزء الأول

حواري مع الملحد | الجزء الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *