الرئيسيةمقالاتحين حاصرت قريش بني هاشم
مقالات

حين حاصرت قريش بني هاشم

حين حاصرت قريش بني هاشم

 

حصار شعب أبي طالب ومحاولة كسر الدعوة بالعزلة والجوع

 

سلسلة التاريخ من وراء الستار

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

 

هناك أحداث في التاريخ لا تُقاس بعدد المعارك التي دارت فيها، ولا بعدد السيوف التي رُفعت خلالها، بل بما تكشفه من طبيعة الصراع نفسه.

 

ومن بين تلك الأحداث يبرز حصار شعب أبي طالب بوصفه واحدًا من أشد المراحل قسوة في العهد المكي، حين انتقلت المواجهة مع الدعوة الإسلامية من الاضطهاد الفردي إلى محاولة فرض عزلة كاملة على القبيلة التي كانت توفر الحماية للنبي صلى الله عليه وسلم.

 

فبعد سنوات من الدعوة، لم تحقق وسائل الضغط التي استخدمتها قريش النتائج التي كانت تتوقعها. فقد استمر المسلمون في التمسك بدينهم رغم ما تعرض له بعضهم من تعذيب وأذى، كما هاجر فريق منهم إلى الحبشة، وبدأ الإسلام يجد أنصارًا من أصحاب المكانة والنفوذ داخل مكة.

 

ومع تزايد القلق من استمرار انتشار الدعوة، اتجهت قيادات قريش إلى خيار جديد يقوم على الضغط الجماعي بدلاً من استهداف الأفراد وحدهم.

 

من اضطهاد الأفراد إلى حصار القبيلة

 

شهدت السنوات الأولى للدعوة صورًا متعددة من التضييق على المسلمين.

 

فقد تعرض عدد من المستضعفين للتعذيب، وكان من أبرزهم آل ياسر الذين ثبتوا على إيمانهم رغم ما نالهم من أذى شديد، حتى استشهدت سمية بنت خياط رضي الله عنها، وتوفي زوجها ياسر متأثرًا بما لحق به من تعذيب.

 

وفي الوقت نفسه، شهدت مكة تطورات أخرى زادت من قلق قريش، كان من بينها إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وهو من أصحاب المكانة والقوة بين قومه.

 

كما أن الهجرة إلى الحبشة أظهرت أن الدعوة لم تعد محصورة داخل حدود مكة، وأن للمسلمين منفذًا يستطيعون من خلاله حماية أنفسهم ومواصلة حياتهم بعيدًا عن الاضطهاد.

 

كل ذلك دفع زعماء قريش إلى البحث عن وسيلة جديدة للضغط على النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه.

 

الوثيقة التي أعلنت المقاطعة

 

اجتمع عدد من زعماء قريش واتفقوا على كتابة وثيقة تقضي بمقاطعة بني هاشم وبني المطلب.

 

ونصت المقاطعة على الامتناع عن البيع والشراء معهم، وعدم الزواج منهم أو مصاهرتهم، وعدم إقامة علاقات أو تعاملات معهم حتى يتخلوا عن حماية النبي صلى الله عليه وسلم.

 

ووفق ما تذكره كتب السيرة، كُتبت الوثيقة وعُلقت داخل الكعبة إعلانًا لبدء المقاطعة التي شملت قبيلتين كاملتين، رغم أن جميع أفرادهما لم يكونوا من المسلمين.

 

إلى شعب أبي طالب

 

أمام هذا الوضع، اضطر بنو هاشم وبنو المطلب إلى الاحتماء بشعب أبي طالب، وهو موضع يقع في أطراف مكة، حيث بدأت سنوات الحصار.

 

هناك تحولت الحياة اليومية إلى معاناة مستمرة.

 

فالموارد أصبحت محدودة، والتعامل مع أهل مكة صار شبه مستحيل، كما تعرضت محاولات إدخال الطعام والسلع إلى المحاصرين لمراقبة شديدة من بعض المشاركين في المقاطعة.

 

ومع مرور الأيام، أصبح توفير الطعام تحديًا يوميًا لكثير من الأسر الموجودة داخل الشعب.

 

ثلاث سنوات من الصبر

 

استمر الحصار قرابة ثلاث سنوات، عانى خلالها المحاصرون من ظروف معيشية قاسية.

 

لكن المقاطعة لم تحقق الهدف الذي سعت إليه قريش.

 

فلم يتخلَّ بنو هاشم عن حماية النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تتوقف الدعوة، كما حافظ المسلمون على تماسكهم رغم ما واجهوه من صعوبات.

 

وكانت تلك السنوات اختبارًا صعبًا للإيمان والصبر والقدرة على الاحتمال، سواء بالنسبة للمسلمين أو لمن وقف معهم من أقاربهم داخل الشعب.

 

بداية نهاية المقاطعة

 

ومع مرور الوقت، بدأت أصوات داخل مكة تعترض على استمرار الحصار.

 

فقد رأى بعض أهل قريش أن المقاطعة تجاوزت حدود الخصومة وأصبحت سببًا في معاناة النساء والأطفال وكبار السن.

 

وتزايدت الاعتراضات تدريجيًا حتى تحرك عدد من رجال قريش لإنهاء المقاطعة وإلغاء الوثيقة التي قامت عليها.

 

وبذلك انتهت سنوات الحصار، وخرج المحاصرون من شعب أبي طالب بعد تجربة تركت آثارًا عميقة في حياتهم.

 

ما بعد الخروج من الشعب

 

انتهت المقاطعة، لكن المحن لم تنتهِ.

 

فبعد فترة قصيرة فقد النبي صلى الله عليه وسلم اثنين من أعظم من ساندوه في مكة؛ عمه أبا طالب الذي وفر له الحماية القبلية، وزوجته خديجة رضي الله عنها التي كانت سندًا له في أصعب المراحل.

 

ولهذا عُرف ذلك العام في كتب السيرة باسم “عام الحزن”.

 

وبينما بدا أن الطريق يزداد صعوبة، كانت الأحداث تمهد لمرحلة جديدة ستغيّر مسار الدعوة والتاريخ معًا، مرحلة تبدأ من الطائف، وتمتد إلى رحلة الإسراء والمعراج، ثم إلى أبواب مدينة ستصبح لاحقًا مركزًا للدولة الإسلامية الناشئة.

 

المصادر التاريخية

 

سيرة ابن هشام.

 

الطبقات الكبرى لابن سعد.

 

البداية والنهاية لابن كثير.

 

الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *