حين صار الزيف بابًا للعلاقات… التواصل الاجتماعي بين النعمة والفتنة
محمود سعيد برغش
في زمنٍ مضى، كان الإنسان يعرف من يجالسه، ويرى ملامح من يحدثه، ويعرف أهله وبيئته وطباعه. أمّا اليوم، فقد أصبح الهاتف بابًا مفتوحًا على عالمٍ لا يُرى، تدخل منه الصداقات، وتخرج منه الأسرار، ويختلط فيه الصادق بالكاذب، والمحب بالمخادع، والناصح بالمفسد.
لقد صار التواصل الاجتماعي من أعظم أدوات العصر، فيه الخير الكبير، لكنه أيضًا قد يكون بابًا واسعًا للفتن والمصائب إذا غاب الضمير والدين.
وجوه الانحراف في العالم الرقمي
نرى اليوم صورًا مؤلمة ومتكررة، منها:
شاب يبحث عن فتاة ليشغل وقت فراغه بالكلام المعسول، لا يريد زواجًا ولا مسؤولية، وإنما تسلية عابرة.
رجل متزوج يدخل في علاقة محرمة مع امرأة متزوجة بحجة “التفاهم”، أو “الهروب من المشاكل”، أو “أنتِ تفهمينني أكثر”.
رجل ينشئ حسابًا باسم امرأة ليخدع البنات ويوقعهن في الحديث والصور والابتزاز.
نساء يتواصلن فيما بينهن في علاقات محرمة أو كلام فاحش ظنًا منهن أن الأمر أخف من الحديث مع الرجال.
رجلان يتحدثان كلٌ منهما على أنه امرأة، فتضيع الفطرة ويكثر الكذب والانحراف.
فتاة صغيرة تُخدع بكلمات الحب من مجهول، فتسلمه أسرارها ثم يهددها.
زوج يهمل بيته منشغلًا بعلاقات افتراضية.
زوجة تهرب من مشاكل بيتها إلى حديث غريب يفسد قلبها.
شباب يقيسون قيمتهم بعدد المتابعين والإعجابات لا بالأخلاق والعمل.
نشر صور خاصة ثم استخدامها للفضيحة والابتزاز بعد الخلاف.
لماذا انتشرت هذه الفتن؟
لأن العالم الرقمي جمع بين أمور خطيرة:
سهولة الوصول.
إخفاء الهوية.
ضعف الرقابة.
الفراغ العاطفي.
ضعف الوازع الديني.
حب التجربة المحرمة.
قلة الخوف من الله.
القرآن الكريم حذّر من مقدمات الفساد
قال الله تعالى:
﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلًا﴾
سورة الإسراء: 32
فالله لم يقل: لا تزنوا فقط، بل قال ولا تقربوا، أي لا تقتربوا من أسبابه ومقدماته، ومن ذلك الخلوة المحرمة، والرسائل المشبوهة، والكلام المثير، والنظر الحرام.
وقال تعالى:
﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾
سورة غافر: 19
فالله يعلم النظرة الخائنة، والرسالة الخفية، والنية المستترة.
وقال تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾
سورة التوبة: 119
وفي هذا تحذير من الكذب وانتحال الشخصيات وتزييف الحقائق.
من السنة النبوية الشريفة
قال رسول الله ﷺ:
“من غشنا فليس منا”
رواه مسلم
وهذا يشمل من يخدع الناس بحسابات مزيفة أو علاقات كاذبة.
وقال ﷺ:
“إياكم والدخول على النساء”
متفق عليه
أي الحذر من أسباب الفتنة والخلوة المؤدية للفساد.
وقال ﷺ:
“كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا…” ثم ذكر زنا العين بالنظر، وزنا اللسان بالكلام، وزنا القلب بالتمني.
متفق عليه
وهذا يدل أن المعصية تبدأ قبل الفعل، تبدأ برسالة ونظرة وحديث.
رأي الصحابة والخلفاء الراشدين
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديدًا في سد أبواب الفتنة، ويقول بمعنى فعله وسياسته: احسموا أسباب الفساد قبل وقوعه.
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول:
القلوب أوعية، فخيرها أوعاها للخير، فمن ملأ قلبه بالحرام أفسده.
وكان الصحابة يعلمون أن النظر أول الطريق، والكلمة أول الانزلاق، ولذلك كانوا يبتعدون عن مواطن الريبة.
أقوال الفقهاء والعلماء
اتفق أهل العلم على تحريم كل وسيلة تؤدي إلى الفاحشة أو تفسد البيوت أو توقع الناس في الخداع.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
المعاصي بريد الكفر، أي أن الذنب يجر ذنبًا بعده.
وقال الإمام النووي رحمه الله:
إذا كانت الوسيلة تؤدي إلى الحرام فهي حرام.
آثار هذه العلاقات المظلمة
خراب البيوت.
الطلاق.
ضياع الثقة بين الأزواج.
فضائح وابتزاز.
أمراض نفسية.
تعلق مرضي.
تدمير سمعة الفتيات والشباب.
تضييع الوقت والعمر.
ضعف الإيمان وقسوة القلب.
كيف نحمي أنفسنا وأبناءنا؟
مراقبة الله قبل مراقبة الناس.
عدم الحديث الخاص مع الغرباء بلا ضرورة.
عدم إرسال صور أو أسرار لأي شخص.
التحقق من هوية من نتعامل معه.
إشغال الوقت بالنافع.
تقوية العلاقة بين الزوجين داخل البيت.
تعليم الأبناء مخاطر الإنترنت.
التوبة الفورية من أي علاقة محرمة.
التكنولوجيا ليست عدوًا، لكنها تكشف ما في القلوب. فمن دخلها بتقوى نفعته، ومن دخلها بشهوة أهلكته.
كم من بيتٍ هُدم برسالة، وكم من قلبٍ انكسر بصورة، وكم من إنسان ضاع خلف اسمٍ مستعار.
فليتذكر كل واحد منا أن خلف الشاشة ربًا يرى، وكتابًا يُكتب، ويومًا تُكشف فيه الأسرار.
﴿يوم تبلى السرائر﴾
سورة الطارق: 9


