الرئيسيةاخبارحين كان القنّاص أقربَ الناس إليّ
اخبار

حين كان القنّاص أقربَ الناس إليّ

حين كان القنّاص أقربَ الناس إليّ

حين كان القنّاص أقربَ الناس إليّ

بقلم محمد عطا القطيعي 

 

كنتُ أحسبك رفيقَ خندقٍ يحميني إذا اشتدَّ الرصاص، وأحسب أن ظهري في حضرتك لا يعرف الخوف، وأن الطريق مهما طال فإنك ستكون اليد التي تمتد إذا تعثرت، والصوت الذي يهمس: “لا تخف… فأنا هنا.”

لكنني اكتشفت متأخرًا أن الرصاصة التي خشيتُها لم تأتِ من العدو، بل جاءت من الصديق الذي كان يبتسم، ويعدّ خطواتي، ويترقب لحظة غفلتي، فإذا به القنّاص الذي اختار قلبي هدفًا، وأطلق أول رصاصة من بندقية الخذلان.

وما أقسى أن تكون جراح الخيانة أعمق من جراح الحروب، فالرصاص قد يثقب الجسد، أما الغدر فيمزق الروح، ويترك في القلب ندوبًا لا يراها أحد، لكنها تؤلم مع كل ذكرى.

وعندها أدركت أن البطولة ليست في حمل السلاح، بل في حمل الأمانة، وأن الشجاعة ليست في مواجهة الأعداء، بل في الوفاء لمن أحببت، وأن الرجال لا تُعرف بكثرة كلامها، ولا بضجيج حضورها، وإنما تُعرف إذا غاب الضوء، واشتدت المحن، وضاقت الطرق.

هناك رجال إذا أعطوا كلمةً جعلوا أرواحهم حراسًا لها، لا يبيعون عهدًا، ولا يخونون ميثاقًا، ولا يتغيرون بتغير المصالح. أولئك هم الأوفياء الذين تبقى أسماؤهم منقوشة في القلوب، ولو غابوا عن الدنيا.

وفي المقابل… هناك قوم لا يعرفون للحب معنى، ولا للوفاء قيمة، يلبسون لكل مجلس وجهًا، ولكل مصلحة لسانًا، يتنفسون النفاق كما يتنفس غيرهم الهواء، ويجعلون الكذب عقيدة، والزيف منهجًا، حتى تضيع الحقيقة بين ضحكاتهم المصطنعة، ووعودهم الكاذبة.

هؤلاء لا وزن لهم إلا بما يملكون، ولا مكانة لهم إلا بما يتظاهرون به، فإذا زالت المصالح، انكشف الفراغ الذي يعيشون فيه، فلا معروف يُذكر لهم، ولا جميل يُحفظ عنهم، ولا موقف يشهد أنهم كانوا يومًا أهلًا للثقة.

أما الأوفياء… فهم قلة، لكنهم يساوون الدنيا كلها. قلوبهم حدائق لا تعرف الجفاف، وأرواحهم أنهار تروي من حولها، وألسنتهم لا تنطق إلا بالصدق، فإذا أحبوا أخلصوا، وإذا وعدوا أوفوا، وإذا غابوا تركوا أثرًا لا تمحوه السنون.

ولذلك ما زلت أؤمن أن الخير لا يموت، وأن الوفاء وإن قلّ، فإنه يبقى أعظم ثروة يملكها الإنسان. وما زلت أرجو أن يطول العمر لنزرع في القلوب بذور الرحمة، ونشيّد جسور المحبة، ونترك وراءنا أثرًا طيبًا يشهد أننا عشنا للخير، لا للخداع، وللصدق، لا للزيف.

فالخنادق لا تهزمها كثرة الرصاص، وإنما يهزمها وجود قنّاصٍ يتخفّى في ثياب الرفيق. أما الأوطان، والقلوب، والحب، فلا يبنيها إلا رجال إذا عاهدوا صدقوا، وإذا أحبوا أخلصوا، وإذا ضحّوا لم ينتظروا جزاءً ولا شكورًا.

وسيظل السؤال يطوف في الذاكرة كلما مرّت وجوه البشر:

أين الأوفياء؟

أين أولئك الذين إذا وضعت رأسك على أكتافهم شعرت بالأمان، وإذا غبت حفظوا الغيبة، وإذا حضرت حفظوا الكرامة، وإذا اشتدت العواصف كانوا هم المرسى؟

لعلهم قليلون… لكن الله يجعل في القليل بركة، وفي الصادقين حياة، وفي المخلصين نورًا لا تطفئه خيانة القنّاصين، ولا ظلمات المنافقين.

    —————القطيعى الشريف————–

حين كان القنّاص أقربَ الناس إليّ

حين كان القنّاص أقربَ الناس إليّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *