رحل ضياء العوضي… ولم يرحل أثره.
بقلم / إيمي جبر
في زمنٍ اختلطت فيه المعايير، وتاهت فيه البوصلة بين المهنة والربح، بين الرسالة والوظيفة، يبرز اسمٌ كـ دكتور ضياء، لا بوصفه طبيبًا فقط، بل بوصفه إنسانًا حمل وجع الناس على كتفيه، وسار به في طريقٍ لم يكن سهلًا ولا مأمون العواقب.
لم يكن صوته عاديًا…
كان صادمًا للبعض، مُلهِمًا للبعض الآخر، لكنه في كل الأحوال كان “صادقًا”.
والصدق في زمن المصالح… تهمة.
اختلف معه من اختلف، واتفق معه من اتفق، لكن ما لا يمكن إنكاره أنه حاول أن يفتح نافذة أمل، أن يقول للناس: “ليس كل ألم قدرك، وليس كل دواء شفاءك”، وأن يضع علامة استفهام كبيرة أمام واقعٍ تعوّدناه حتى صار وكأنه الحقيقة الوحيدة.
كان يرى أن الإنسان ليس رقمًا في ملف، ولا جسدًا يُدار بالعقاقير فقط، بل روحًا تحتاج إلى فهم، وجسدًا يستحق أن يُعالَج لا أن يُسكَّن.
وهنا تبدأ المعركة…
معركة الفكرة، لا معركة الشخص.
دفع ثمن كلمته.
ودائمًا… أصحاب الكلمات الثقيلة يدفعون.
رحل، لكن بقي السؤال الذي زرعه:
هل نعيش لنُداوي أنفسنا… أم لنتعايش مع المرض؟
هل الطب رسالة… أم منظومة أكبر من الطبيب نفسه؟
في رحيله وجع،
لكن في أثره حياة.
رحل الأب الذي أوصى بحب بناته قبل أي شيء،
رحل الأخ الذي اعتذر وهو يغادر،
رحل الطبيب الذي آمن أن الخير يستحق أن يُقال حتى لو كلفه كل شيء.
اللهم إن عبدك ضياء، لم يدّعِ الكمال، لكنه اجتهد للخير، وسعى لما رآه حقًا،
اللهم إن كان قد أصاب فاجعل إصابته نورًا له،
وإن أخطأ فتجاوز عنه برحمتك التي وسعت كل شيء.
اللهم ارحمه رحمةً تليق بقلبٍ أراد الخير لعبادك،
وأسكنه فسيح جناتك، واجعل أثره صدقة جارية لا تنقطع.
سيبقى اسمه…
ليس لأنه مات،
بل لأنه قال ما خاف غيره أن يقوله.

