الرئيسية » سقوط الهيبة: عندما تتحول كرامة العامل إلى «رسوم إدارية» في دفتر الدولة
مقالات

سقوط الهيبة: عندما تتحول كرامة العامل إلى «رسوم إدارية» في دفتر الدولة

سقوط الهيبة: عندما تتحول كرامة العامل إلى «رسوم إدارية» في دفتر الدولة

بقلم : شريف السبع

باحث في الشؤون العمالية

 

​ليس ثمة ما هو أشد إيلاماً لواقع العمالة، ولا أشد خطراً على مفهوم «دولة القانون»، من تشريعٍ يرى في الجسد المنهك والمحقوق فرصة للجباية، وفي الجريمة العمالية مجرد بندٍ من بنود الإيرادات. إن المفارقة التي تعيشها مصانعنا ومواقع إنتاجنا اليوم لا تقف عند حدود الجشع الرأسمالي، بل تتعداه إلى الفلسفة التشريعية التي ارتضت أن تكون «شريكاً محصّلاً» بدلاً من أن تكون «حكماً عادلاً»؛ فبينما يصر الدستور في نصوصه الحاكمة على أن العمل حقٌ وكرامة، وأن صون الآدمية التزامٌ سيادي لا يقبل المساومة، تأتي القوانين الأدنى لتسحق هذا المبدأ تحت وطأة جدول غرامات، يُدفع فيه ثمن الانتهاك مسبقاً، ويخرج منه العامل صفر اليدين، مكسور الخاطر والكرامة.

​إن تحويل العقوبات التأديبية والجنائية في قوانين العمل إلى مجرد «غرامات مالية مقطوعة» على أصحاب الأعمال، ليس إلا عملية «تسعيرٍ للانتهاك» وتكريسٍ للهشاشة. عندما يُحرم العامل من التغطية التأمينية، أو يُجبر على العمل في بيئة تفتقر لأدنى مقومات السلامة والصحة المهنية، أو يُستنزف في ساعات عمل قسرية بداعي الإكراه الاقتصادي والخوف من قطع العيش، ثم يأتي المفتش ليرصد المخالفة ويُحرر محضراً تنتهي قيمته ببضعة جنيهات تُسدد لخزينة الدولة؛ فنحن لا نكون أمام عقوبة رادعة، بل أمام «رخصة تشغيل مشبوهة». يشتري صاحب العمل بالغرامة حق الاستمرار في القهر، وتكتفي الدولة بقبض حصتها من الجريمة، بينما يظل العامل وحده تحت السقف المتهالك، يتجرع الاستغلال تحت سمع وبصر القانون.

​هذا الانحراف التشريعي يصطدم بشرعية الدولة ونصوص دستورها من عدة محاور أساسية:

​تفريغ صريح الدستور من قوته الآمرة: ينص العقد الاجتماعي على حظر العمل القسري وصون كرامة المواطن. إحالة هذا الحق الإنساني الأصيل إلى “بدل مالي” تُحصّله الخزينة العامة هو الالتفاف بعينه على روح الدستور، وتحويل للحقوق الآمرة إلى امتيازات تُباع وتُشترى بحسب القدرة المالية لرب العمل.

​شرعنة الإكراه الاقتصادي: لا يتوقف مفهوم الإجبار على العمل عند السلاسل والقيود، بل يتعداه إلى “الإكراه المادي”. إن غياب النص الذي يُلزم المنشأة بإزالة المخالفة فوراً وتحت طائلة الإغلاق الإداري، يجعل العامل مسلوب الإرادة؛ إما أن يقبل الانتهاك وإما أن يُلقى به في أتون البطالة.

​مسخ الدور الاجتماعي لأجهزة التفتيش: بدلاً من أن يكون مفتش العمل تجسيداً لهيبة الدولة التي تنتصف للضعيف وتفرض النظام داخل موقع الإنتاج، يُعزل بحكم النص إلى مجرد “جابي إداري”، يزن كرامة العامل بالمال، ويترك موقع الإنتاج كما هو دون تغيير.

​إن هيبة الدولة لا تُبنى بجمع الأموال على حساب سواعد أبنائها، بل تتجلى في قدرة مؤسساتها على الوقوف في وجه الاستغلال وإقرار العدالة الإنتاجية. إن العامل الذي يُكسر في مصنعه، ويُسلب حقه بالقانون، لا يفقد ثقته في صاحب العمل وحده، بل يراقب بتأسٍّ تراجع هيبة الدولة التي تركت كرامته تُباع وتُشترى في سوق الغرامات. والقانون الذي يستهدف الاستقرار الحقيقي هو الذي يقترن فيه الردع بالإزالة الفورية للخلل، ويجعل من كرامة العامل خطاً أحمر، لا يُعوضه مال، ولا تُسقطه غرامة.

​تنويه بالصلح اللغوي: تم تصحيح تركيب «ببضعة جنيهاً» إلى «ببضعة جنيهات» لضبط قواعد تمييز العدد.

سقوط الهيبة: عندما تتحول كرامة العامل إلى «رسوم إدارية» في دفتر الدولةسقوط الهيبة: عندما تتحول كرامة العامل إلى «رسوم إدارية» في دفتر الدولة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *